الفنان بشير بسودة لـ”المساء”:

أسعى إلى بناء جيل يتقن فن الحكواتي

أسعى إلى بناء جيل يتقن فن الحكواتي
  • 136
حاورته: وردة زرقين حاورته: وردة زرقين

استطاع الفنان بشير بسودة، المعروف في الوسط الفني بـ«العم بيشو”، أن يعيد الحياة إلى فن الحكاية الشعبية في عمق “توات”، حيث تتناقل الأجيال الحكايات والأمثال والأقوال الشعبية، إذ استطاع من خلال فن “الحكواتي” أن يستقطب عددا من الأطفال والشباب إلى هذه التجربة، وأن يحول الورشات إلى مساحة جماعية للتعلم والتعاون، وبناء مجموعة من الأطفال القادرين على تقديم الحكايات وتقاسم الأدوار وصناعة عرض جماعي يحمل بصمتهم، بالتالي اكتشاف حكواتيين جدد، يمتلك كل واحد منهم بصمته وطريقته في الحكي. اتصلت “المساء” بالفنان بشير بسودة، وكان هذا الحوار.

❊ كيف وجدتم تجربة فن الحكواتي والقوال في توات؟

❊❊ لم أتعامل مع فن “الحكواتي” باعتباره مجرد سرد لحكايات أمام الجمهور، بل حاولت أن أنقله إلى تجربة فنية متكاملة، تقوم على التكوين والممارسة والتجريب. ومن خلال الورشات التدريبية التي قدتُها في عدد من قصور وقرى ولاية أدرار، فتحت المجال أمام الأطفال، لاكتشاف هذا الفن والتعرف على أدواته وأساليبه، قبل الانتقال إلى مرحلة التطبيق والأداء أمام الجمهور، وخلال فترة وجيزة، وجدت التجربة طريقها إلى قلوب الصغار.

❊ هل كان الإقبال سريعا من طرف الأطفال؟

❊❊ نعم، لقد وجدوا في الحكواتي مساحة للتعبير عن أنفسهم، وفرصة لاكتشاف قدراتهم على الكلام والأداء والحضور في الفضاء المسرحي، وهذا ما أسعى إليه، أن أُعيد الاعتبار لفن الحكواتي والقوال، وأجعله قريبا من الأطفال والشباب، باعتباره لونا يحمل في طياته، الكثير من ملامح الهوية والذاكرة الشعبية المحلية.

❊ على ماذا اعتمدتم في تجربتكم؟

❊❊ اعتمدت على الجانب التكويني، باعتباره مدخلا أساسيا لبناء جيل جديد من الحكواتيين الصغار، فالحكاية في نظر هذه التجربة، لا تقوم على حفظ النص فقط، وإنما تحتاج إلى مجموعة من المهارات، في مقدمتها سلامة الإلقاء، وضبط الصوت، وتنويع النبرات، وحسن استعمال الجسد، والتعبير بالحركة، والقدرة على شد انتباه المتلقي. لهذا ركزت الورشات على تمارين عملية، تساعد الطفل على التخلص من الخجل والتردد، واكتشاف الثقة بالنفس، والوقوف بطريقة أكثر راحة أمام الجمهور، كما تم الاشتغال على كيفية تقديم الحكاية، وفهم شخصياتها وأحداثها، والتمييز بين السرد والحوار، واستعمال الصوت والحركة، بما يخدم المعنى ويمنح الحكاية روحها.

❊ ما أبرز ما ميز هذه التجربة؟

❊❊ من أهم ما ميز التجربة، أنها لم تضع الطفل في موقع المتلقي فقط، وإنما منحته فرصة ليكون صانعًا للحكاية وراويًا لها، وهنا تحولت الورشة من درس فني تقليدي، إلى فضاء للتجريب، فتعلم الطفل كيف يخاطب الجمهور، وكيف يتفاعل معه.

❊ ماذا أظهرت التجربة؟

❊❊ أظهرت التجربة أن عددا من الأطفال، يمتلكون استعدادا كبيرا لهذا اللون الفني، خاصة عندما يجدون من يؤطرهم ويمنحهم الثقة والمساحة الكافية للتعبير. والتجربة لم تتوقف عند حدود قاعة التدريب، بل انتقلت إلى الفضاءات التي تشكل جزءا من البيئة الثقافية التواتية، فالرحبة والقصبة والأزقة القديمة والمساحات الشعبية، كلها أماكن تمنح الحكاية سياقها الطبيعي، وتعيدها إلى بيئتها التي نشأت فيها. ومن خلال تقديم العروض في هذه الفضاءات، أصبح الطفل أمام تجربة مختلفة، فهو لا يؤدي أمام جمهور مسرحي تقليدي، وإنما يخاطب سكان الحي والزوار والعائلات، ويكتشف معنى التفاعل المباشر مع الجمهور.

❊  في سياق الحديث عن المسرح، كيف تقيمون فن الحكواتي بين التراث والمسرح؟

❊❊ تأتي هذه التجربة، في منطقة مشتركة بين التراث والفن المسرحي، فالحكواتي يستفيد من تقنيات المسرح في الأداء والإلقاء والحركة والتفاعل، وفي الوقت نفسه، يحافظ على خصوصية الحكاية الشعبية، وعلى علاقتها المباشرة مع الجمهور، وهنا يمنح المشروع بُعدًا تربويًا وفنيًا في آنٍ واحد.

❊  من أين اكتسبتم خاصية فن الحكواتي؟

❊❊ أنا ابن توات، والمنطقة تمتلك رصيدًا غنيًا من الحكايات الشعبية والأمثال والأقوال والحِكَم والقصص المتوارَثة، ما يجعلها بيئة خصبة لإعادة بناء تجربة الحكواتي، وتفتح الباب أمام الأطفال، للتعرف على جزء من ذاكرتهم الثقافية، وعلى الصور والتعابير التي تنتمي إلى بيئتهم، فالحكاية التواتية ليست مجرد مادة للترفيه، وإنما يمكن أن تكون وثيقة شفوية، تحمل قيم مجتمع وطريقة تفكيره.

❊  في رأيكم، ما هي خصائص الحكواتي؟

❊❊ إحدى أهم خصائص الحكواتي، العلاقة الحية بين الراوي والمتلقي، فالحكواتي لا يروي الحكاية في اتجاه واحد، بل يراقب الجمهور، ويتفاعل مع ردود أفعاله، ويغير من إيقاعه ونبرته، حسب الموقف، حتى تبقى الحكاية نابضة.

❊ كيف ترون مستقبل الحكواتي في توات؟

❊❊ لا بد من الاستمرارية في الورشات وتوسيع دائرة المستفيدين، وجمع الحكايات من الرواة المحليين، وتوثيقها، ثم تحويلها إلى مادة فنية وتربوية، يمكن للأجيال الجديدة التعامل معها، فالحفاظ على التراث لا يكون فقط في حفظه في الكتب والمتاحف، وإنما أيضًا بمنحه فرصة لأن يعيش من جديد في أصوات الأطفال وخيالهم، وأنا أسعى إلى صناعة جيل يعرف كيف يسمع الحكاية، وكيف يفهمها، والأهم، كيف يرويها بطريقته.