حديث عن الخزف والقفطان في شهر التراث
إرث وطني زاخر يحتاج للحماية من النهب
- 185
مريم . ن
نظم المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، بالتنسيق مع المتحف العمومي الوطني للفنون والتقاليد الشعبية، جلسة علمية خاصة بالزخرفة الإسلامية وأنواع القفاطين في عنابة، وقفت عند زخم تراثي هائل، يستحق التثمين والحفظ، خاصة أمام حملات التشويه والنهب الممنهج.
تناولت الدكتورتان عائشة حنفي، من معهد الآثار، وعقيلة جليدة من المركز الوطني للبحوث في ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، في مداخلة مشتركة، موضوع "الزخرفة الكتابية على الخزف الإسلامي بالمغرب الأوسط دلالات تزيينية ورمزية روحية"، مستعرضتان أبعاد الجمالية والأنثروبولوجية والعقائدية للنقوش الخطية التي زينت الخزف، مع إبراز خصوصية الخط الكوفي وفلسفة عبارات التبارك في فنون الخزف الإسلامي، بما يعكس رقي هذا الموروث، الذي حول الأواني إلى رموز فنية ودلالات عميقة، تجمع بين الفن والفلسفة الحضارية الأصيلة.
الكتابة في خزف المغرب الأوسط
أشارت المتدخلتان، إلى أن الكتابة لم تتأثر بحضارات أخرى، كما هو الحال مع الزخرفة، علما أن الكتابة على الفخار فن ظهر على استحياء، لينتشر بعدها في كل العالم الإسلامي، منه المغرب الأوسط، وقد اختارت المتحدثتان نماذج من هذا الفن، ابتداء من القرن 3 حتى 9 هجري. خصت هذه الكتابات الفخاريات التزيينية من أواني (صحون وأباريق وأقداح وجرار وغيرها) وبلاط، وكان الخط مثلا، يوضع في وسط الطبق قائما بذاته، وأحيانا مرفقا بزخارف بحروف متداخلة أو منفصلة.
كل الكتابات تحمل دلالات رمزية، عثر عليها بموقع في سطيف، بها إطارات مربعة داخل الصحون، وكذا أرقاما قد يكون لها دلالات تجارية أو طلاسم هي نفسها في كتاب الطلاسم الفارسية، فيما تظهر قطع أخرى كتابات مبهمة أو حروف متقطعة منعزلة، كما تم التوضيع أن بعض الخطاطين يرسمون الخط فقط في فترات تاريخية، وذلك كمجرد زخرفة ولا يدركون المعاني. تمت الإشارة أيضا، خلال العرض المصور، أنه تم اكتشاف جرة صغيرة بموقع زموري البحري، تحمل كتابة بالخط الكوفي، تظهر فيها كلمة بسم الله.
فخار البلاط
فيما يخص لفظ الجلالة، فإنه يدرج على خزفيات متعددة الألوان، وعلى البريق المعدني، مرتبطة بالأواني الموجهة خصيصا لأهل البلاط، بدلا من الأواني الشعبية الفضية، ونادرا توجد على مصنوعات الجرار، فصفة التبجيل لهذه الجرار مخصصة لتزين قاعات القصور، كما هو الحال بقصر غرناطة في الأندلس، جاءت هذه العبارات دالة تدور حول معاني التوحيد والتبرئة لله والكمال لله والتسبيح لله، إلى غير ذلك من العبارات التي تكشف عن الجانب الفكري الديني للفترة الموحدية، وقد رسمت بخط واحد، الكوفي العادي، ورسمت بخطي الكوفي والنسخي على الخزف الموحدي، وقد استمر وجودها خلال كل العصر، وتواصلت حتى الفترة الزيانية بتلمسان.
تحتفظ الكتابات بتوقيعات الصناع، وخاصة الأواني ذات البريق المعدني، تحمل كتابة رقيقة صعبة القراءة، حيث عرف أن الخزافين في الفترة الإسلامية لم يوقعوا منتجاتهم إلا في الفترة الفاطمية، حيث ظهرت بعض التوقيعات على المنتجات ذات البريق المعدني فقط.
أما فيما يخص الكتابة على الطابع، فهي تخص توقيع الورشة، وهي ظاهرة معروفة بالأندلس. ويبين الطابع الذي عثر عليه بورشة أخزاف في تلمسان، أنه كان هناك صناعة محلية للجرار بزخرفة البريق، ربما كانت مستوردات أندلسية. خلصت المتدخلتان من خلال هذا العرض، إلى أن خزفيات المغرب الأوسط، تتسم بالغنى الذي يتجلى في كتابات متنوعة ومختلفة الأساليب والمضامين والأشكال، ورغم التأثيرات المشرقية، بقيت الخصوصية قائمة، واستمرت وتطورت باستعمال خامات بسيطة بمهارات متقنة.
عنابة مشهورة بصناعة الكتان وطرز القفاطين
بدوره، تدخل الباحث محمد النذير الشلالي في موضوع "أنواع القفاطين في عنابة وخصوصيتها"، مستعرضا طرق الطرز التي أساسها الفتلة وأحيانا قليلة المجبود، وهما يجتمعان في لباس واحد، ومن أنواع الرشم، ذكر رشمة الزلابية المشهورة.
استحضر المتحدث بعض المصادر التي تناولت اللباس العنابي، منها كتابات ابن الوزان في القرن 16م، ويصف حتى الصناع والطرازين، وكذلك الرحالة ابن الحوقل الذي أبرز العنصر الأندلسي في اللباس، كما تحدث الأستاذ شلالي عن صناعة المرجان وعن التبادلات التجارية مع إيطاليا، خاصة مع جنوة التي لا زال قماشها المخملي يحمل اسمها إلى الآن، وذكر أيضا أن فخامة اللباس الجزائري عكست البحبوحة التجارية ورواج تجارة اللباس، ففي قسنطينة وحدها، كان بها 33 مجلدة و75 مصنعا للسروج، تم طرزها بخيط الذهب، كما اشتهرت كل عائلة في عنابة بحرفتها، منها القضيفة والحلي وغيرها، وكان الكتان يزرع فيها، وصولا للتطريز ذي الذوق الرفيع، الذي كان يصدر لأوروبا، وأشار المتحدث، إلى أن بعنابة، كان هناك 14 سوقا، وعلى رأس كل سوق، الحلي والأقمشة والأفرشة والقفاطين التي تصنع بالبيوت.
أوضح الباحث الشلالي، أن هناك قفاطين كانت تلبس تحت القندورة، وأخرى فوقها، وكان هناك أيضا القاط ولباس البنات الصغار، إضافة للباس الرجالي، الذي به جيوب وزوايا تسمى "الشوك"، زيادة على لباس الخلعة أو الفرملة (قفطان التولية للحكام) واللواحق، مثل السفيفة، أما الفتحة أو الشقة، فلم تظهر إلا سنة 1930، ليسهب بعدها المتحدث في تفصيل الرشمات، وأثناء المناقشة، ندد المتحدث بسرقة تراثنا الوطني، معطيا مثالا عن لباس موجود بمتحف مراكش، مصنف على أنه مغربي، بينما هو جزائري من طرز حليم بن زرطي، كما أشارت الدكتورة حنفي إلى أنها حينما زارت معرضا بباريس بمعهد العالم العربي، وجدت كل المصوغات والحلي المعروضة على أنها مغربية، في حين أنها جزائرية خالصة، داعية لحماية تراثنا الوطني .