إشكالية ترميم القصبة.. خبراء:

التدخل السريع والمناسب يسبق نوعية المواد والتقنيات المختارة

التدخل السريع والمناسب يسبق نوعية المواد والتقنيات المختارة
  • 129
مريم . ن مريم . ن

احتضن المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، أول أمس، أشغال اليوم الدراسي "القصبة بين الماضي والحاضر.. إشكالية الترميم بين أصالة المواد التقليدية وتحديات التقنيات الحديثة"، بمشاركة نخبة من الخبراء والمهندسين الذين قدموا تجاربهم الميدانية وتصوراتهم وأبحاثهم التي تستحق التثمين، متفقين جميعهم، على أن القصبة (مدينة الجزائر) تعاني، ما يتطلب التدخل والاهتمام من جميع الأطراف، واستغلال كل الوسائل التقليدية منها والحديثة.

تناول المتدخلون، مسألة الترميم للحفاظ على هذا التراث المعماري العتيق، مبرزين اختيار مواد البناء المناسبة، وفقا لأحدث المعايير الهندسية التي تضمن التوافق مع الهيكل الأصلي للمبنى، وتلبي متطلبات السلامة والجمال. نبهوا أيضا إلى ضرورة الانسجام مع المواد الأصلية، لتجنب التفاعلات الكيميائية، بالتالي يفضل استخدام مواد آمنة وملائمة، خاصة في المباني المعرضة للاهتزازات أو التغيرات المناخية، والموازنة بين الأصالة والعصرنة، وهو جوهر الترميم المطلوب.

الرقمنة دعامة للترميم  

في تدخلها، توقفت الدكتورة صبرينة كاشر، من المدرسة متعددة التقنيات لعلوم الهندسة والعمران، عند الرقمنة كدعامة مهمة في عملية صون التراث، خاصة في الترميم، حيث توفر الجهد والوقت وتسمح بالتدخل في الموضع والزمن المناسب. وفي نفس السياق، تطرق  الدكتور محمد أنيس دوماز إلى تقنية البعد الثلاثي في عملية الحفظ والترميم، مع أهمية جمع المعلومات، أي جرد ما هو كائن، وبالتالي تحديد المكان المراد ترميمه، يسهل التدخل وتحديد المواد المستعملة.

أما الدكتورة مدينة فكرون، من المدرسة العليا للحفظ وترميم الممتلكات الثقافية بتيبازة، فحثت على تجنب مواد الترميم الدخيلة والعصرية في المعلم الأثري، وعلى رأس تلك المواد؛ الإسمنت، الذي يشكل عامل تهديد للبنايات التقليدية،. وتناولت البعد التقني في الترميم، مشيرة إلى التحولات السريعة في هذا المجال، وظهور أجهزة جديدة ووسائل تدخل دقيقة لا مانع من استعمالها في الترميم، في إطار برنامج وخطة تراعي كل خصوصيات المعلم المراد ترميمه أو إنقاذه من الانهيار، ووصفت بالمناسبة، المواد التي تم استخدامها في بناء القصبة، بالذاكرة في حد ذاتها، قبل أن تكون مجرد وسائل.

الترميم يبدأ من التشخيص

قالت المتحدثة، إن الترميم يبدأ من التشخيص الذي قاعدته المعرفة والعلم الذي يتعدى حدود التشخيص البصري، إلى تقديم دراسات دقيقة ومعمقة، تحفظ فيما بعد الأصل في المعلم من مظهر وديكور وهوية وغيرها، زيادة على حفظ المهارات منها تلك المتعلقة بالبناء، محذرة من استعمال مواد حديثة تؤثر على خصوصية المعلم، لأن ذلك سيعتبر خيانة، علما أن بعض تلك المواد الدخيلة، كانت في حد ذاتها سببا آخر في تدهور بعض المعالم، لتزيد الطين بلة.

بدورها، تحدثت المهندسة الدكتورة فريال بوستيل من جامعة البليدة، عن خبرتها الميدانية في القصبة، حيث أشارت إلى أن الميدان له معطيات أخرى، تتجاوز الإطار النظري الصرف، فمواد البناء التقليدية التي عاشت لقرون، لم تعد اليوم موجودة في السوق، ولا البناؤون التقليديون موجودون، وإذا تم الاعتماد على هذين العنصرين المفقودين، فإن الانتظار والبحث لن يكون في صالح القصبة، زد على ذلك العامل البشري، فأحيانا سكان القصبة كانوا أنفسهم معول هدم يخربون بيوتهم من أجل الحصول على سكن اجتماعي، خاصة في الفترة من 85 حتى 95، وبالتالي كان لزاما توعيتهم بالترميم ومرافقتهم فيه بضوابط، بعيدا عن الفوضى، كما ثمنت دخول الهيئات والمؤسسات حقل التراث المعماري، وأضافت "الآن توجد مواد بناء عصرية لا بديل اليوم عنها، علينا استعمالها، كما أن للجزائر مخابر مختصة في مواد البناء جد متطورة، يجب استغلالها".

التعقيدات الإدارية لا تتلاءم وخصوصية الترميم

تدخل أيضا المقاول عمار بلوناس، المختص في ترميم المعالم الأثرية، حيث استعرض تجربته في ترميم قلعة الجزائر بالقصبة، وقد ثمن في بداية تدخله، عمليات الترميم البسيطة والعفوية لسكان الدويرات منذ القديم، بينما "لا زلنا نحن اليوم نبحث عن طريقة ما للترميم"، ومما ذكر أيضا، بعض التعقيدات الإدارية التي لا تتلاءم وخصوصية ترميم المعالم التاريخية، منها سرعة الإنجاز والتسليم، مثمنا بالمناسبة، فكرة المناجمنت وإشراك السكان في الترميم، وأيضا الاهتمام بالدويرات، لأنها هي التي تمثل حصة الأسد في القصبة، أكثر من القصور والحمامات وغيرها، زيادة على خلق جو حيوي يرافق ما تم ترميمه، فمثلا ترميم الدكاكين والأسواق والساحات، لا بد أن ترافقه حركة الناس من تعاملات وتجارة ونشاطات، حتى لا تكون المعالم فارغة، تسكنها الأشباح، بمعنى أن لا يتم تفريغ القصبة وإخلاؤها بحجة الترميم.

أما مهندس التراث الدكتور نصر الدين مخلوفي، فتناول في تدخله الخاص بوسائل الترميم، بعض المشاريع التي شارك فيها، منها حمام الانكشاريين بالقلعة، موضحا أن المحاولة كانت في الحفاظ على خصوصية المبنى برؤية ووسائل جديدة، خاصة في مجال التهيئة، لذلك تم استعمال مثلا، الزجاج والألومنيوم والاينوكس، مقدما صورا عن المعلم، منها المسجد الذي يقع جنب الحمام، كما تم تغليف وإخفاء بعض الوسائل، منها الأسلاك الكهربائية وغيرها، كي لا تُفقد المعلم أصالته، مضيفا أيضا أنه في حال الاصطدام ببعض الفراغات في الترميم (اندثار بعض القطع أو المعالم من المبنى)، يتم الاستعانة بالدراسات التاريخية أو من بعض الحلول في ترميم معالم عالمية.

بالمناسبة، قدمت أيضا المهندستان سلسبيل جوادي ويسرا سباعي من جامعة الجزائر، عرضا مصورا عن الخزف والزليج في القصبة، كتراث أصيل له بعده التاريخي والاجتماعي، الذي يتعدى كونه مجرد ديكور، وتناولتا معا مراحل هذا الفن المعماري وتطوره مع الوافدين، خاصة من الأندلس، وكذلك البصمة الجزائرية الأصيلة بشواهد من قلعة بني حماد، وأكدتا أنه يتم دراسة أشكال الزليج (المربعات) ليتحدد الترميم، ومن الوسائل المستخدمة، الطين المطهو الذي يوضع في أطر، ثم يجفف ويطلى بملمع، كقاعدة للزخرفة والرسم.

اختتم هذا اليوم الدراسي، المهندس الخبير عبد الحكيم حماق، من مكتب دراسات مختص في الترميم، الذي أكد أنه لا حفظ دون ترميم ولا ترميم دون اكتشاف الحمض النووي للمعلم، مستعرضا تجربته في ترميم قصر "حسان باشا" بالقصبة السفلى، حيث تم استخدام جهاز سكانير ثلاثي الأبعاد، وآثار البصمات والاستعانة بتخصص في علم الآثار، يربط بين المادة والتاريخ، كما شبه المتحدث المهندس المرمم بالطبيب المعالج، الذي لا يكتفي بالتشخيص البصري المجرد، بل يطلب التحاليل والفحوصات والعينات والأشعة وغيرها، ليحدد موقع التدخل والعلاج.