من دهشة الطفل إلى وجع الفنان

المسرح في ثلاث مرايا

المسرح في ثلاث مرايا
  • 151
سميرة عوام سميرة عوام

شهد المسرح الجهوي "عزّ الدين مجوبي" بعنابة، ضمن فعاليات المهرجان الوطني الثقافي للإنتاج المسرحي النسوي، باقة متنوّعة من العروض المسرحية، جمعت بين الموجَّه للأطفال والموجَّه للكبار، وتراوحت في مقارباتها بين الهموم التربوية وقضايا الفنّ والهويّة. وخضعت جميعها لقراءات نقدية، رصدت نقاط قوّتها، ومواطن ضعفها.

"مخيّم الأسرار"... حين يتحدّى  الذكاء التنمّر

تابع جمهور عنابة، أوّل أمس، مسرحية "مخيّم الأسرار" بالمسرح الجهوي "عزّ الدين مجوبي" . وهو العرض المسرحي الموجَّه للأطفال من إنتاج المسرح الجهوي "محمود تريكي" بقالمة، وإخراج الفنّانة مفيدة عدّاس، بمساعدة فخر الدين لونيس، عن نصّ للكاتب أكرم عتمة، وسينوغرافيا سهيل بوخضرة، وموسيقى نجيب أوبراهم، وإضاءة رؤوف برناوي.  وقدّم طاقم التمثيل أداءً حركيا ودراميا يحمل أبعادًا تربوية وإنسانية، تسلّط الضوء على مواجهة التنمّر. وتُعلي من شأن الذكاء، ورجاحة العقل مقابل القوّة الجسدية، إلى جانب ترسيخ قيم التعاون والمحبّة بين الأطفال والمتمدرسين. وتكمن قيمة عرض "مخيّم الأسرار" في محاولته الجادّة لخلق مسرح طفولي يوازن بين البعد التربوي والمشهدية البصرية. 

وخلال قراءة نقدية للعرض كشف الناقد بشير غريب عن جوانب القوّة والتميّز، المتمثّلة في نجاح النصّ في تناول قضية حسّاسة كالتنمّر بأسلوب مبسَّط، وقريب من فكر الطفل، مع ظهور انسجام واضح، ومرونة في الأداء بين الممثّلين فوق الركح، تعكس التحضير الجادّ، إضافة إلى قدرة الإخراج على شدّ انتباه الفئة العمرية المستهدَفة، وصناعة تفاعل مباشر ومستمرّ مع أحداث القصّة طيلة فترة العرض.

في المقابل، توقّف الناقد عند بعض نقاط الضعف، وأخطاء الخشبة التي تحتاج إلى مراجعة تقنية، وإخراجية؛ حيث شهدت الخشبة في بعض المشاهد ارتباكًا في التموضع، وتوزيعًا حركيا غير متوازن للممثّلين في مساحات ضيّقة؛ ما أدّى إلى حجب بعض الإيماءات، وأربك التشكيل البصري للجمهور. كما لوحظ جمود في التعامل مع قطعة السينوغرافيا، التي ظلّت خلفية ثابتة دون إقحامها بشكل حيوي في خدمة حركة الممثل، وتطوّر الأحداث، إلى جانب تفاوت خفيف في التزامن بين الانتقالات الضوئية والتغيّرات الموسيقية السريعة؛ ما خلق ثغرات زمنية بسيطة بين الإيقاع الصوتي واللوحة البصرية.

"كرنفال روماني".. سحر العرض وبصمة النقد

في محطّة موجَّهة للكبار، قدّم المسرح الجهوي "عزّ الدين مجوبي" بعنابة، عرض "كرنفال روماني" المدرَج ضمن فعاليات المهرجان. وهو من إخراج الفنّانة موني بوعلام، في أولى تجاربها الإخراجية الاحترافية، عن نصّ كلاسيكي للكاتب المجري ميكلوش هوباي. واستعرض العمل بأسلوب ساخر ومؤلم، رحلة الانحدار من أضواء الشهرة إلى ظلال النسيان عبر شخصية "مارجيت" (جسّدتها الممثّلة رجاء هواري). وهي نجمة سابقة تعاني قسوة التهميش في قبو مهمل، قبل أن يستغلّها مدير مسرحي انتهازي (أدّاه شاكر بولمدايس) في بروفة تجريبية مع ممثّلين شباب، ليتحوّل الركح إلى ساحة صراع، تكشف نفاق الوسط الفني.  وقد أضفت سينوغرافيا التباين الضوئي لشهيناز نغواش مع كوريغرافيا ندى رويني، بُعدًا بصريًا متكاملاً، لمس وجدان الجمهور.

وتكمن قيمة العرض في جرأة طرحه، وإسقاط دلالات الكرنفال الساخر، ومجتمعات الاستعراض الرومانية على واقع الفنّان المأزوم.  وخلال قراءة نقدية للعرض، كشف الناقد عبد الحليم بوشراكي عن جوانب القوّة، والتميّز المتمثلة في نجاح المخرجة في تفكيك النصّ الكلاسيكي، وصياغته برؤية معاصرة اعتمدت الإخراج التفاعلي، والتناغم الجسدي والكوريغرافي الذي أضفى بُعدًا شعريًا، إلى جانب الأداء المتماسك لبطلة العمل. وفي المقابل، توقّف الناقد عند بعض نقاط الضعف، وأخطاء الخشبة؛ حيث سُجّل في بعض المشاهد، ارتباكٌ في الإيقاع العامّ نتيجة الإطالة في الحوارات الساخرة على حساب نموّ الحدث الدرامي. كما لوحظ عدم استغلال مساحة القبو الديكورية بالشكل الكافي؛ ما جعل بعض حركات الممثّلين متكرّرة، ومحصورة في بؤرة ضوئية واحدة، أضعفت ديناميكية التشكيل البصري على الركح.

"ثلجون".. عالم ساحر من الخيال والمغامرة

في محطّة ثالثة موجَّهة للصغار، استقبل الأطفال وعائلاتهم، أوّل أمس، بشغف كبير، عرض مسرحية "ثلجون" للمخرجة ليندة سلام، ومن إنتاج المسرح الوطني الجزائري.  وعرف العرض إقبالاً واسعًا، وأجواء مليئة بالفرح والتشويق؛ حيث عاش الصغار رحلة خيالية ممتعة مع شخصيات المسرحية، في تجربة مزجت بين المتعة البصرية والدروس التربوية القيّمة.

وتولي محافظة المهرجان اهتمامًا بالغًا بمسرح الطفل، إذ خصّصت إدارة المحافظة فضاءً خاصًّا ومتكاملاً لعرض الأعمال الموجَّهة للأطفال، مع التركيز على تنويع الوسائل التربوية والتثقيفية المقدَّمة.  ولم تقتصر الفعالية على خشبة المسرح فحسب، بل تمّ توفير مساحة حرّة ومفتوحة، تتيح للأطفال التعبير عن خيالاتهم وإبداعاتهم بطرق تفاعلية مبتكَرة؛ ما يعزّز مهاراتهم التفكيرية والتواصلية.

وتجسّد مسرحية "ثلجون" هذا التوجّه التربوي والإبداعي، حيث قدّمت للمشاهدين الصغار قصّة ملهمة تحثّ على القيم النبيلة، وتفتح أمامهم آفاقًا واسعة من التخيّل والمغامرة، لتؤكّد من جديد، أهمية المسرح كأداة أساسية في ترقية خيال الطفل، وبناء شخصيّته. وهكذا جمعت هذه العروض الثلاثة بتنوّع جمهورها وأساليبها الفنية، بين البعد التربوي الموجَّه للناشئة، والعمق الفكري الموجَّه للكبار؛ في صورة تعكس ثراء المهرجان، وتنوّع رهاناته الفنية والإنسانية.


في حضرة هيبون...

"الأوتار الذهبية"  تعزف أنوثة النغم

تسجّل فرقة "الأوتار الذهبية" التابعة لجمعية الأوركسترا  الفيلهارمونية بونة بولاية عنابة، حضورًا استثنائيا يفيض بالجمال والتميّز في فعاليات الطبعة الثامنة للمهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي. وتجسّد هذه الأوركسترا النسائية المبدعة النموذج الأمثل للتميّز الموسيقي في خدمة الفنّ، والكلمة والشعر؛ حيث تجمع ثلّة من الموهوبات اللواتي يجمعهنّ الشغف العميق، ودقّة الأداء، وجمال الصوت.

وترافق فرقة "الأوتار الذهبية" جميع أمسيات موقع "هيبون" الأثري، لتعزف ألحانًا جميلة تتمازج فيها عراقة التاريخ بسحر النغم، مبرهنة على ذلك الرابط الروحي والوجداني العميق الذي يجمع بين الموسيقى والمسرح منذ أزل الفنون. فالموسيقى بالنسبة لهذه الفرقة، ليست مجرّد خلفية صامتة أو فاصل يفصل بين المشاهد، بل هي الرئة التي تتنفّس بها الخشبة، والشريان الدرامي الذي يغذّي وجدان الممثّل والمشاهد على حدّ سواء؛ إذ تحوّل الكلمة المسرحية من مجرّد نصّ ملفوظ إلى حالة شعورية مكثّفة تجسّد الحزن، والفرح، والصراع، والأمل.

وفي هذا المهرجان الذي يحتفي بإبداع المرأة، تلتقي أوتار الفرقة مع أنفاس الممثّلات ورؤى المخرجات، لتصنع حالة من التزاوج الروحي المطلق؛ حيث يذوب التعبير الحركي والنصّ الدرامي في ثنايا النغمة الموسيقية، لتثبت "الأوتار الذهبية" أنّ النغم والمسرح لغتان لروح واحدة، تتكاملان لتنسجا لوحة فنية متكاملة تأسر حواسّ الجمهور، وتصنع البصمة الاستثنائية لهذه التظاهرة الثقافية بمدينة عنابة.


سنسونة: الإبداع ينبع من الروح  لا الجسد

تُجسّد الممثّلة المسرحية نسيبة عطوط الشهيرة فنّيا باسم "سنسونة"، أبهى صور الإصرار والتحدّي على هامش فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للمسرح النسوي؛ فلم تجعل من وجودها على الكرسي المتحرّك عائقًا أمام شغفها المتدفّق، بل حوّلت حركتها وحضورها الاستثنائي إلى طاقة إبداعية ملهمة، تخطف الأنظار، وتؤكّد أنّ الإبداع لا ينحصر في حدود الجسد، بل ينبع من قوّة الروح. وتعبّر "سنسونة" عن انتمائها العميق والشديد لهذا المهرجان، الذي وجدت فيه بيئتها الاحتضانية، وصوتها الحقيقي، مذكّرة بمسارها المتميّز، ومشاركتها الناجحة سابقًا عبر مونودراما "كميشة".

واليوم تعود لتسجّل حضورًا لافتًا في التجربة الدرامية للطفل، من خلال مسرحية "سرّ الدمية" من إنتاج المسرح الجهوي "محمد الطاهر الفرقاني" بقسنطينة، وإخراج سمية بوناب. وهي التجربة التي عاشت من خلالها تفاصيل دور "سمية" بأسلوب يفيض بالمشاعر، والتجدّد الأدائي. كما تؤكّد نسيبة عطوط أنّ هذه المحافل الفنية والمهرجانات الوطنية تمثّل بالنسبة لها ولزميلاتها، فرصة ثمينة للتقرّب من القامات المسرحية الكبيرة، لا سيَما العنصر النسوي، وللاحتكاك المباشر مع الممثّلات، وتبادل الخبرات والتجارب التي تطوّر من أدواتهنّ الفنية. وتوجّه عبر مسيرتها الحافلة رسالة صادقة وعميقة لتكون ملهمة للجميع، معلنة أنّ "المسرح النسوي ليس مجرّد عروض احتفالية، بل هو رسالة أمل وقوّة لكلّ امرأة تملك مشروعًا وتحلم بتجسيد أحلامها في الواقع"، لتثبت للعالم أنّ الشغف الصادق والإرادة الصلبة يتجاوزان أيّ قيود جسدية.


المسرح الإذاعي بالذكاء الاصطناعي

سارة بوعياد تعيد إحياء التراث برؤية مبتكرة

تفتح الإعلامية وحاملة مشروع المسرح الإذاعي سارة بوعياد، أفقاً جديداً للإبداع الفني والتقني من خلال رسم معالم مشروعها الواعد أمام لجنة تحكيم منتدى حاملات المشاريع، الذي يندرج ضمن مخرجات "الماستر كلاس". وتجسّد هذه المبادرة رؤية مستقبلية تعتمد على دمج فن "الراديو فونيك" بأساليب التكنولوجيا الحديثة، من خلال الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) لصياغة تجربة مسرحية وإذاعية فريدة، تجمع بين جماليات الصوت والتعبير البصري لصناعة التميّز والإبهار.

وتعتمد الفكرة الجوهرية للمشروع على بناء قاعدة بيانات متطوّرة، قادرة على محاكاة المشاعر الإنسانية المركّبة بدقة فائقة؛ مثل الخوف والبكاء والحزن؛ ما يمنح الأداء الصوتي بُعداً تعبيرياً عميقاً يلامس وجدان المستمع.  وتهدف بوعياد من خلال الاشتغال على هذا الفن، إلى نفض الغبار عن الأدراج المنسية، وإخراج الموروث الإذاعي من طيات الأرشيف؛ سعياً منها إلى استعادة هذا الفن الأصيل، وصون التراث الوطني، والمحافظة على الهوية والثقافة المحلية من الاندثار.

ولا يقتصر هذا المشروع، حسب المتحدثة، على استعادة الذاكرة الفنية وتأصيلها فحسب، بل يسعى أساساً إلى بناء صناعة متكاملة للتمثيل الإذاعي برؤية معاصرة. ويستهدف هذا التوجه تنمية المخيلة لدى الجمهور، ولا سيما فئة الأطفال، من خلال مرافقتهم، وتكوين ذائقتهم الجمالية والفكرية، وإعادة الروح إلى هذا الفن الراقي الذي طال غيابه عن المشهد الثقافي.