معرض "سيليام" بالمركز الثقافي الجامعي
بين الذاكرة والتشظّي
- 113
لطيفة داريب
تعرِض الفنانة الشابة فلاح مايليس الملقبة بـ«سيليام" ، مجموعة من اللوحات بالمركز الثقافي الجامعي إلى غاية 28 ماي الجاري، تقدّم من خلالها تجربتها الفنية التي مزجت فيها بين العصرنة والتراث، من خلال استعمالها الحبر، والألوان المائية، والمعالجة الرقمية، لتتحوّل أعمالها من مجرّد لوحات إلى فضاءات للانفعال النفسي، والتأمّل. 16 لوحة للفنانة الرسامة "سيليام" تعرضها بالمركز الثقافي الجامعي بعنوان "معالم" ، من بينها لوحة "الزجاج الملوّن" التي استعادت فيها الفنانة روح الزجاج الذي نستعمله في حياتنا اليومية أو حتى في تزيين فضاءاتنا، لكن بلغة فنية حديثة تجاوزت استعماله المعتاد.
واعتمدت الفنانة في لوحاتها هذه على التماثل، والتكرار، والزخارف المكثّفة التي أنشأت فضاء بصريا متميّزا، حيث تشابكت الخطوط والألوان في بناء يبدو معماريا وروحيا في الوقت نفسه، منحت فيه الفنانة بصمتها الرقمية. كما إنّ حضور الألوان الشفافة والبؤر الضوئية المركزية في هذه اللوحة، منح العملَ إحساسا بالتأمّل الداخلي، وكأنّ المشاهد يقف أمام نافذة لا تطلّ على الخارج، بل على فضاء نفسي عميق.
وفي لوحة "معلم" انتقلت الفنانة من الزخرفة والتماثل إلى مناخ أكثر هدوءا وتأمّلا، إذ طرحت في هذه اللوحة سؤال الأثر، وما يتبقى بعد مرور الزمن. كما قسّمت عملها إلى قسمين، الأوّل عن منظر جبلي يظهر وكأنّه ذاكرة لمكان قديم. أما الجزء السفلي فرسمت فيه طائرا منكفئا، يحمل ملامح الوهن، والانطفاء، قد لا يكون هنا رمزا للحرية والانعتاق، بل صورة عن الهشاشة والضعف. ومع ذلك يحاول هذا الطائر أن يتماسك وكأنّه بقايا روح تسعى للاستمرار وسط عالم لا يتوقّف عن التغيير، فما هو مصير ما تبقّى من الذاكرة والهوية بعد التحوّل والانهيار؟.
ورسمت سيليام في لوحة "ذهاب وإياب" جانبا من العلاقات الإنسانية؛ بوصفها حركة مستمرة ما بين التقارب والابتعاد، نرى من خلالها يدين متشابكتين ليس بمعنى الرفقة والاتّفاق، بل يبدو عليهما التوتّر والاضطراب، محاطتين بخطوط حادة، وبخلفية مليئة بالتشويش البصري. ويتحوّل الجسد إلى مساحة للصراع العاطفي والنفسي، حيث لا يمكن أن ندرك هل اليدان في حالة تماسك أم تمثّلان حالة الخوف من الانفصال.
وحتى الألوان الداكنة المستعملة في اللوحة تعبّر عن الإحساس بعدم الاستقرار، فتظهر العلاقة هنا مضطربة ما بين الذهاب والإياب. كما رسمت الفنانة لوحات أخرى، بعضها بالحبر على الورق، وأخرى بالألوان المائية بينما أغلبها جاءت في شكل صور رقمية؛ مثل الصورة التي جاءت دون عنوان، نجد فيها حبّات الكرز تقتحم حدقة العين، وأخرى بعنوان: " حينما أنظر من الشرفة أشعر أنّني بخير" ، التقطت فيها صورة فتاة تجلس القرفصاء في شرفة المنزل.
وبالمقابل، أوضحت الفنانة في معرضها هذا أهمية الجمال، لكن ليس كما نعتقده أو كما نراه، فأحيانا نعتقد أن ما نراه أمامنا غير بهيّ، لكن لو تمعّنا فيه وبحثنا عن خفاياه، لوجدنا الجمال في أبهى حلة. كما اعتمدت الفنانة في هذه الفعالية على معنى التشظي؛ أي التفكّك الى أجزاء صغيرة، بوصفه لغة بصرية وفكرية في آن واحد، فكأنّها ترفض أن ترسم الأشكال بصورة كاملة أو أن تقدّم معنى العمل بشكل مباشر، بل تبني عوالمها معتمدة على التداخل والتكرار، مع التأكيد على العلاقة بين اليدوي والرقمي، وهو ما يمنح الأعمال طابعا معاصرا، يعكس قلق الإنسان الحديث، وتفكّكه الداخلي.
وهكذا لا تقدّم سيليام لوحات جميلة بصريا وحسب، بل تدفع بالملتقي إلى التأمّل في مفاهيم معقّدة؛ مثل الهوية والذاكرة، وحتى العلاقة الشائكة بين الإنسان والعالم، بينما ظهر اهتمام الفنانة بفكرة الأثر، والتحوّل في اعتمادها على مختلف التقنيات والمواضيع. ومن خلال الحبر والرسم اليدوي والرسم الرقمي أو حتى التصوير الفوتوغرافي، يطرح عالم سيليام الفني تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الجاذب والمنفر. ويسعى إلى الكشف عن جمال غير تقليدي، مخبأ في أماكن لا يخطر ببالنا أن نلقي عليها نظرة.