ندوة "إيطاليا والثورة الجزائرية"
حشد للرأي العام وتقديم الخبرة التقنية
- 542
مــريم . ن
شاركت كوكبة من الباحثين في ندوة "الأدباء الشهداء" التي احتضنتها، قاعة "سيلا"، مؤخرا، حيث استحضرت أسماء نالتها يد الغدر والتصفية لمجرد أنها حلمت بيوم مشرق يطلّ على الجزائر ويزيح عنها ظلام ليل الاستعمار الذي جثم على شعبها الأبي ولم يكن السلاح الذي رفعوه في وجه المستعمر سوى القلم الذي اعتبره الجلادون أكثر فتكا من الرشاش.
كان أوّل المتدخّلين السيد دحو ولد قابلية، حيث أشار إلى كتابه الجديد الذي وقعه بجناح القصبة بعنوان "المالغ وبوالصوف"، وهو، كما قال، ليس كتاب مذكرات بل به شهادات وبعض من مساره الجامعي والنضالي، وبيبلوغرافيا عن الراحل بوالصوف، كما يتضمّن الكتاب جزءا عن تاريخ المالغ وظروف تأسيسه خاصة مع بوالصوف، وكانت قاعدته المصالح التي تضمّ الاستعلامات والارسال والراديو والتصنت والتسليح، علما أنّ المتحدّث كان في مصلحة البحث والتوثيق وتحليل الأخبار والمعطيات لتقديمها لقادة الثورة، كما كان جلّ الأعضاء من الطلبة الثوّار. جزء آخر من الكتاب، تناول التسليح واستراتيجية العمل الثوري وإيصال الأوامر للجبهات في الداخل، كما خصّص فصلا مؤلما يتضمّن التصفيات والخلاف الحاصل بين بعض المناضلين، فيما استعرض في جانب آخر معركة سوق اهراس الشهيرة التي تقابل فيها ألف مجاهد مع 20 ألف جندي فرنسي في اشتباكات دامت 5 أيام. بالعودة إلى الدعم الإيطالي، تحدّث السيد ولد قابلية عن ملف البترول الذي فتح في مفاوضات إيفيان وحقّق النجاح بدعم من الراحل اونريكو ماتيي الذي تعرّف على بعض قادة الثورة في الطائرة وهو عائد من بكين ثم مكث معهم 5 أيام في توقف إجباري وعرف منهم الكثير عن عدالة الثورة فاقتنع بها وناضل فيها، وهذا المناضل ترأس الشركة البترولية الإيطالية "إيني" وتعرّض للمضايقة والحصار من الشركات الكبرى بسبب مواقفه المعادية للاستعمار.
كما تحدّثت برونا بونياتو عن الراحل ماتيي وعن مقاومته للنازية من 43 حتى 45، لينتخب في 48 في الحزب الديموقراطي المسيحي وكان يرى أنّ البترول سلاح سياسي، وقدّم خبرته التقنية للحكومة المؤقتة في ملف البترول والصحراء ودعم الجزائر بكلّ ما يملك ما جلب له عداوة فرنسا وزاد ذلك مع استقبال قادّة الثورة منهم بومنجل بمؤتمر السلام بفلورونس، وزيادة على دعم التيار اليساري الإيطالي للجزائر، انضم أيضا التيار المسيحي الديموقراطي الوسط إلى الدعم وهو ما عرف بتيار "لابازي". فبدت أزمة عميقة بين فرنسا وايطاليا، وهنا تدخّل ولد قابلية بإثارة موضوع ديبلوماسية الحرب التي خاضها الايطاليون اقتصاديا وإعلاميا وتحالفت 5 أحزاب إيطالية من أجل نصرة الجزائر. أما ماسيميليانو تارانتينو، فتطرّق للمناضل الإيطالي جاك فردي ترينيلي الذي قدّم الحشد للثورة واحتفظ بأرشيف ثري يوثق لهذا التاريخ المشرف، وهذا المناضل كان مكتبيا ناجحا ثم ناشرا طبع كتبا عن الثورة وأحدثت ضجة حينها منها "المحتشدات" و"القضية الجزائرية" و"الجزائر خارج القانون" وكذا عن التعذيب والتقتيل، وعرف الشعب الإيطالي بالقضية الجزائرية، ثم سوّق كتابا في عقر دار فرنسا ما دفع بوزير الداخلية الفرنسي للتدخّل ومصادرة الكتاب.
يحكي، هذا الضيف الإيطالي، عن دعم مدينة ميلانو للجزائر بقيادة أكبر الشخصيات السياسية والثقافية، مظاهرات صقلية، كما حشد ترينيلي كل المكتبيين الايطاليين لدعم الثورة وكوّن شبكة اتصال مع جبهة التحرير. تميزت المناقشة بالثراء وعرفت حضورا كبيرا من الجمهور ومن المؤرّخين والناشرين، وجاء فيها أنّ ايطاليا بلد قاد المقاومة ضدّ النازية ووقف مع الشعوب المضطهدة، وحارب الاستعمار ولا تزال هذه المواقف إلى اليوم مجسّدة في عدم التدخّل العسكري عكس فرنسا التي تحلم دوما بإعادة مجدها في مستعمراتها .