ندوة "المخطوطات العلمية الجزائرية"

ذخائر نفيسة تنتظر التحقيق

ذخائر نفيسة تنتظر التحقيق
  • 148
مريم. ن مريم. ن

ناقشت ندوة "المخطوطات العلمية الجزائرية" المنعقدة أوّل أمس بالمكتبة الوطنية بالحامة، تاريخ هذه العلوم (التطبيقية) في الجزائر، بعضها بقي مغمورا، وبعضها عانى التهميش، والإهمال، وغياب التحقيق، علما أنّ هذا المخزون الثمين لايزال مبعثرا بين رفوف المكتبات ومخازن العائلات، بل عبر مناطق مختلفة من العالم.

قدّم الدكتور منير بهادي مدير المكتبة الوطنية، مداخلة بعنوان "بين مفهومي الأصل في التصوّر العلمي والقانوني للمخطوط"، أكّد فيها أنّه ليس كلّ مخطوط نسخة أصيلة، متوقّفا أيضا عند "تلخيص الملخّص"، وكيفية تصنيف مثل هذه المؤلفات، وهو ما رآه رهانا لايزال مطروحا، مشيرا أيضا إلى أنّ مراحل وأشكال وتاريخ التدوين عند الشعوب، موجود به هكذا إشكاليات وتساؤلات، وعلاقة الإنسان بالكتابة.

أما الأستاذة فطومة بن يحي فقدّمت عرضا بعنوان "قراءة في مخطوط المعجم الطبي، المنحة القدوسية في الأدوية القاموسية لأحمد بن سحنون الراشدي"، قالت فيه إنّ الكتاب كان بطلب من باي معسكر. وتضمّن مصطلحات طبية مع الشرح. وهذه النسخة الأصلية موجودة فقط في الجزائر، علما أنّ أحمد بن سحنون الراشدي من مواليد النصف الثاني من القرن 18 بمعسكر. واسمه الكامل أحمد بن محمد بن علي بن سحنون الراشدي؛ نسبة لمنطقة الراشدي بنواحي معسكر. ويُعدّ من المؤرّخين لفترة بايلك الغرب؛ بحكم توليه منصب كاتب الباي محمد بن عثمان الكبير إضافة إلى كونه ناظم شعر.

المخطوط العلمي كان غائبا

بدوره، تناول الدكتور أحمد قريق احسن "جديد الجزائر في تاريخ الممارسات الفلكية في العهد العثماني"، مبيّنا أنّ الحديث عن المخطوطات العلمية لم يكن رائجا عكس مخطوطات العلوم الإنسانية وعلوم الدين (الفقه). وأشار إلى أنّه يشتغل على هذا الاتّجاه العلمي منذ سنة 2000. ووقف عند بعض المخطوطات منها فهرس المخطوطات الفلكية وأسماء الفلكيين، وجدها بالمكتبة الوطنية وببعض الخزائن الخاصة.

ومن ضمن ما ذكره أسماء النجوم لأحمد بن حمودة، موضّحا أنّه كان هناك تلاقح بين الحضارات والثقافات؛ ما أعطى نقلا معرفيا ثريا في الفيزياء مثلا، والطب، وغيرهما من العلوم التطبيقية والتجريبية، مستعرضا بالمناسبة مختلف الحقب التاريخية التي مرّت على الحركة العلمية بالعالم الإسلامي ابتداء من النقل من حضارات قديمة، وبلغات قديمة كالفارسية والآرامية واللاتينية، وصولا إلى تأسيس بيت الحكمة ببغداد، ثم الامتداد نحو الغرب الإسلامي والأندلس، ليخلص المتدخّل إلى فترات تراجع فيها هذا النهم العلمي، وأصبح المسلمون يستعينون في علومهم التطبيقية التقنية بالأعلاج؛ أي الخبراء الأجانب.

ومن ضمن ما جاء في هذا التدخّل آثار ومخطوطات البارع في أحكام النجوم، وهو القيرواني ابن منطقة تيارت، الذي طُبعت كتبه، وتُرجمت. كما ارتبط هذا العلم بعلم الميقات لمعرفة مواقيت الصلاة مثلا، كذلك اختراع الإسطرلاب منه ذلك المعروف، ويحمل بصمة جزائرية، موجود بإسبانيا.

وبالنسبة لمخطوط الجداول الفلكية (1770) فهذا المخطوط موجود بالمكتبة الوطنية بـ 114صفحة بخطّ جزائري مع خطّ النسخ، وبرسومات وكلمات من لغات مختلفة؛ منها الدارجة العاصمية ككلمات الشهيلي المستمدة من الشهيل، وهو نجم يطلع في الجنوب، وكذلك ريح القبلي، والبراني، وأسماء الشهور. وهناك أيضا كلمات بالإيطالية خاصة في ما يتعلّق بتحديد الاتجاه؛ منها رومبيو، وهو نجم اتّجاه في البحر، ودقريس؛ أي الدرجة، ونومرو وهو الرقم، مع وجود رسومات للمراكب والسفن واتّجاه الرياح، وبعض الرموز التي تشبه رموز الأبراج الفلكية الأوروبية.

وتناول المتحدّث أيضا جداول اليوغاريتميات، وحساب المثلّثات، وحساب زاوية مسار السفن، والخرائط، ودلائل الشمس، والنجوم. وأغلب الجداول كانت موجهة للبحارة لمعرفة المسالك البحرية، خاصة اتجاه الشمال. وبالمناسبة، ذكر الدكتور قريق اسم البحار فيلي رايس الذي تطرّق في كتاباته بالتركية، للبحرية العثمانية. كما تطرّق المتحدّث لإبرة المغناطيس التي أدخلها المسلمون المجال البحري، متوقّفا عند أبحاث المؤرخ عبد الرزاق حمادوش. وذكر وجود ماكنة تحاكي حركة الكواكب وُجدت بقصر حسين داي، علما أنّ الجزائريين هم أوّل من استعان بالتلسكوب لرصد هلال رمضان.

وتطرّقت الباحثة فاطمة لكحل لموضوع المخطوطات العلمية بالمكتبة الوطنية الجزائرية، مؤكّدة أنّ بها نفائس لا تقدّر بثمن، ذكرت منها في هذا المجال العلمي مخطوط “ذخائر نفيسة لعلاج الأمراض العويصة” للطبيب خليل بن إسماعيل الجزائري. والنسخة كانت بخزانة أحمد بن عثمان خوجة خال حمدان خوجة. وهي نادرة، ولم يتناولها أيّ باحث بالتحقيق، علما أنّ العلاّمة عبد الرحمان الجيلالي كان الوحيد الذي نوّه بها في كتاباته. وقد شغل الطبيب خليل ـ وكان من أعيان العاصمة ـ منصب خوجة العيون؛ أي مسيّر شبكة مياه مدينة الجزائر خلال نهاية القرن الـ18 وبداية القرن الـ19. 

الرقمنة كشفت النفائس

من جانبها، استعرضت الأستاذة وهيبة خليل مخطوط “تحفة المتوسّل وراحة المتأمّل للطبيب عبد الله محمد الشاقوري المحفوظ بالمكتبة الوطنية” . وكان هذا المخطوط مغمورا إلى أن برز مع عملية الرقمنة. وهو نادر، وأقدم نسخة موجودة بالجزائر تعود لسنة 900هـ. وقد أسهم الشاقوري الذي كان طبيب بلاط ملك غرناطة، في نهضة العلوم الطبية. وله مجرباته في الأدوية، وفي تشريح الجهاز الهضمي. كما أكّدت المتحدّثة امتلاك عائلات جزائرية المخطوط، وهي عائلتا الخروبي والمرتضى. ويتضمّن فصولا في أمراض المعدة. وهي من أندر وأثمن المراجع الطبية ليس فقط في العلاج، بل أيضا في التشخيص، والجراحة، والتدقيق العلاجي المبتكر.

وتدخّل بعدها عبد الرحمن بن يطو متناولا “المخطوطات الطبية بين مسؤوليات الاعتناء والاقتناء والاستفادة والاستثمار” . وقد توقّف عند اهتمام المسلمين بالطب، واستفادتهم من حضارات شرقية وغربية سبقتهم، ذاكرا ألمع الأطباء بمختلف إنجازاتهم التي استفادت منها الإنسانية، ولاتزال أسماؤهم تُذكر إلى اليوم، داعيا إلى حماية المخطوطات من خلال الحفظ، والفهرسة، والتوثيق، ومستحضرا إنجازاته في تحقيق بعض المخطوطات.

أما الأستاذة لطيفة حمصي فتناولت “علم الفرائض في مخطوطات الرياضيات، نماذج مختارة من رصيد المكتبة الوطنية” ، مشيرة إلى العقباني التلمساني (1320 ـ 1408). وهو المؤلّف الفقيه المهتم بمسائل الفرائض (توزيع الميراث)، الذي استعان في ذلك بالرياضيات، ومنها علم الكسور لتقسيم الأسهم بين الأصول والأنساب والعبيد (العبيد هم الأسرى والخدم الذين عاشوا في بيوت العثمانيين بالجزائر)، ليختم الأستاذ عبد الرحمان دويب الندوة بمداخلته عن المؤلّفات الطبية لأحمد بن القاسم البوني الجزائري في القرن الـ18. وهو غزير الإنتاج. وبعض أعماله مفقودة، منها ما وُجد في عواصم عربية وأوروبية وآسيوية كطوكيو. وكان له منظومته الطبية التي ربطها بالشرع الإسلامي. وكان النقاش ثريا ومتشعّبا. وبالمناسبة طرحت "المساء" تجربتها في العودة للتراث الطبي إبان جائحة كورونا. كما طرحت إمكانية ترويج هذا التراث في معارض ليطّلع عليه الجمهور.