نزيم مقبل يقدم كتابه بمؤسسة عسلة:
سعيد مقبل تحدى الموت ورافع لأجل الجزائر
- 232
لطيفة داريب
اكتشف الأستاذ نزيم مقبل أن الطبعة الأولى للكتاب الذي جمع فيه بعض مقالات والده الصحفي المغتال سعيد مقبل والذي صدر عام 2002 عن دار داليمان، أنها تفتقد الى العديد من العناصر، فقام بعمل جبار، وأعاد تنقيح الطبعة، وزوّدها بشروحات، ووضع المقالات المختارة في سياقها التاريخي والسياسي، ثم سلّمها للقراء، ومن بينهم ابنه مهدي، الذي سأله يوما: "ماذا كان جدي يكتب؟ لماذا اغتيل؟ فكان الرد هو كتاب "سعيد مقبل.. مقتطفات من حياة 1963 - 1994"، الصادر عن دار الشهاب.
قال الصحفي نزيم مقبل خلال تقديمه أول أمس كتاب "سعيد مقبل.. مقتطفات من حياة..1963-1994" بمؤسسة عسلة، إنه ألّف هذا الاصدار بغرض نقل مجموعة من المعارف المتعلقة بوالده سعيد مقبل إلى ابنه الشاب، الذي أراد التعرّف على ما كان يكتبه جده، وعلى سبب اغتياله. وأضاف أن والده المهندس الصحفي لم يخبره عن ماضيه في عالم الصحافة في سنوات الستينات، أي أنه أخفى عنه جزءا من حياته؛ حفاظا عليه. وهو ما لم يستسغه المتحدث، فتصرف بشكل مغاير تجاه ابنه، وتجاه كل الجزائريين الراغبين في التعرّف على كتابات سعيد مقبل، وكذا متابعيه.
وأوضح نزيم أن اختيار 230 مقال من بين أكثر من 1600 مقال لسعيد مقبل، لم يكن سهلا، مشيرا الى إعادة طبع كتابته مرتين، ليصدر في شكل منقح، ومزوّد بشروحات. كما تم وضع هذه المقالات في سياقها التاريخي والسياسي، وهو ما كانت تفتقده الطبعة الأولى. وفي هذا قال: "لم يكن من السهل مرافقة المقالات بشروحات، فكان عليَّ أن أتمسك بحيادي، وأن لا أغوص في الموضوع بشكل يجعل هذا الشرح أعمق من المقال في حد ذاته. كما استعنت في بعض الشروحات بمقاطع من مقالات والدي لم يكن لها نصيب في هذا الكتاب. أيضا اخترت المقالات العميقة أكثر من تلك التي تحمل جمالية أدبية ".
وتحدّث نزيم عن مسيرة والده الصحفية، فقال إن سعيد واصل دراسته في فرنسا، تخصص فيزياء، بعد بيع والدته "حزمة لويز"، لكنه ارتأى العودة الى البلد مباشرة بعد الاستقلال، والتحق بوزارة الاقتصاد. واشتغل أيضا في جريدة "ألجيري أكتياليتي" من 1963 إلى 1965. وكان يكتب مقالات بتوقيعي " غول" و" مسمار جحا"، لكنه تخلى عن الصحافة بعد توقيف الجريدة، والتحق بشركة سونلغاز في منصب رئيس العمال، ثم مهندسا بعد مواصلة دراسته الى غاية عام 1989؛ حيث التحق مجددا بجريدة "ألجيري أكتياليتي" بعد عودتها الى الصدور، ثم بمجموعة من أصدقائه في جريدة "لوماتان" الى غاية اغتياله في 3 ديسمبر 1994.
وتابع أن سعيد كان في بداياته كتب عن الوضع الدولي في سنوات الستينات، بالإضافة الى مقالات نقدية متعلقة بالفن السابع. ثم انتقل في كتاباته عن الوضع المحلي، خاصة أنه اكتسب تجربة ميدانية خلال عمله في سونلغاز. ثم مع مرور السنوات خاصة المتعلقة بالعشرية السوداء، كانت مقالاته أكثر عمقا. وكان يستشعر خطورة الوضع رغم أنه لم ينتقد في حياته شخصا بعينه، بل انتقد التصرفات والأقوال، وهو ما أكده أعداؤه.
وكشف نزيم عن تزويد الكتاب هذا بمخطوطات عن مقالات والده التي لم ينشرها، والتي تمثل تحليلا عن وضع الجزائر في سنوات التسعينات. وكانت موجهة لحدث تمثل في استضافته من طرف جمعية للصحفيين بهولندا. أما آخر مقال له فلم يكتبه تخمينا عن مستقبله المشكوك، بل عن اغتيال صحفيين ببوفاريك في 30 نوفمبر 1994.
ونوّه نزيم بوعي والده المثقف، الذي دفع به الى كتابة مقالات رصينة وكان في العشرينات من عمره، مثل ما كتب حول المغرب وادعاءاتها المغرضة حول الحدود بينها وبين الجزائر، مقالا ساخرا في الموضوع، مضيفا أن المثقفين من جيله كانوا يملكون حسا وطنيا كبيرا، وهو ما وجده في شباب جزائريين، ممثلا بشباب بجاية، الذين في كل مرة يستذكرون سعيد مقبل. وهكذا لم تخفت أفكار هذا الصحفي المهندس اللامع ليحقق بذلك انتصارا كبيرا ضد الجهل حتى بعد اغتياله عام 1994.
وقال المتحدث إن عمل والده في الميدان حينما كان موظفا بسونلغاز من 1965 الى 1989، جعله قريبا من الناس، وعارفا باحتياجاتهم، ليعكس ذلك في كتاباته، التي عرفت انعطافا صريحا بعد اختطاف الفنان معطوب الوناس، فكتب عن محاولة اغتياله، وعن الشعور بالخوف الذي انتابه. كما شعر بالوحدة بعد مغادرة زوجته الفرنسية المهددة بالموت، الجزائر، وكبر ابنيه وتركهما للبيت.
وأكد نزيم واجبه في الحفاظ على الذاكرة من خلال إصداره هذا الكتاب حول مقالات والده، مشيرا الى أن الصحفيين القدامى لم ينقلوا معارفهم الخاصة بالصحافة للأجيال الجديدة، مثل مبدأ حرية الصحافة التي لا تعني أبدا السباب والشتائم. وذكر نزيم أن التحاق والده بالصحافة غرضه حاجة الجزائر للصحفي أكثر من حاجتها للفيزيائي، ليدفع بروحه ثمنا لذلك.