ملتقى "طرق الحبر في الجزائر.. حضارة وتراث"

شاهد حيّ على التاريخ ومساهم في حفظ الذاكرة والهوية

شاهد حيّ على التاريخ ومساهم في حفظ الذاكرة والهوية
  • 160
مريم. ن مريم. ن

شهد اليوم الأوّل من أشغال الملتقى الدولي للمخطوط “طرق الحبر في الجزائر.. حضارة وتراث”، تنظيم عدّة جلسات علمية، استعرضت جوانب متعدّدة، مرتبطة بالمخطوط كشاهد حيّ على الحياة الفكرية والعلمية والتاريخية ليس فقط بالجزائر، بل على امتداد القارة السمراء، والعالم الإسلامي.

تركّزت تدخّلات المشاركين حول تاريخ المخطوط، وصناعة الحبر، وتقنيات الكتابة، والنسخ، والتداول، وكذا صناعة الورق التي كانت متقدّمة ورائجة في العالم الإسلامي قبل القرن الـ15 م، إضافة إلى مناقشة سبل حماية التراث المخطوط، وصيانته، ورقمنته، وتثمينه، وتعزيز الوعي بأهميته بوصفه ذاكرة الأمة.

وقبل انعقاد الجلسات، تدخّل الدكتور منير بهادي مدير المكتبة الوطنية ورئيس اللجنة العلمية للملتقى، الذي أكّد أنّ الكثير من هذه الكنوز ضاع إبان الفترة الاستعمارية، لكن رغم ذلك ظلّت هذه الشواهد محفوظة في الزوايا والمساجد والخزائن والمكتبات، مشيرا إلى أنّ المكتبة الوطنية بوسائلها وخبرائها وبالتقنيات الحديثة، تتجاوز عوائق الحفظ، وقامت بدور محوري في عمليات الحفظ، والفحص، والجمع، والترميم، وغيرها، مع وضع فهارس إلكترونية، والاستعانة بالذكاء الاصطناعي، موضّحا أنّ 50 مؤسّسة استفادت من الترميم، زيادة على الخزائن الخاصة التي يبلغ عددها 557 خزانة ممتدة عبر التراب الوطني.

ومن جهته، أشار مدير إدارة الثقافة بمنظمة “الألكسو” حميد بن سيف النوفلي، إلى أنّ هذا الملتقى هو بمثابة وثيقة لصياغة عمل عربي مشترك في مجال المخطوط، فيما ثمّن السيد موسى الجبوري مدير معهد المخطوطات العربية (تأسّس سنة 1946)، التعاون مع الجزائر، علما أنّه كان هناك شراكة مع جامعة الجلفة، معلنا أنّه سيتم اعتماد الجزائر لاحتضان اليوم العربي للمخطوط.

ريادة المسلمين في صناعة الورق

الجلسة الأولى للملتقى ترأّسها الدكتور قريق احسن أحمد. وتضمنت مداخلة بعنوان "تتبُّع الثقافة المادية للورق الإسلامي: تطوّرات في تراث المخطوطات" للدكتور حسان عبيد، عرض فيه خصائص التصنيع والتشطيب التي يخضع لها الورق، علما أنّ عمليات التشطيب مثل إعداد الألياف، والتلوين، والتغليف، والتلميع، تمثّل المؤشّرات الأكثر موثوقية للتعرّف على الأوراق المستخدمة في ثقافة المخطوطات الإسلامية. كما تناول المتدخّل مفهوم "الورق شبه الإسلامي".

وهو ورق صُنع في أوروبا، ثم أُخضع لاحقا لعمليات تشطيب وفق الأساليب الإسلامية التقليدية. وقد انتشرت بعد تراجع صناعة الورق في العالم الإسلامي. وعرض بالمناسبة اعتماده منهجا يجمع بين دراسة النصوص التقنية العربية القديمة، والتجارب التطبيقية، والتحاليل المخبرية الحديثة، فقد أعيد تحضير الأصباغ الطبيعية والمواد الملوّنة وفق الوصفات التراثية، ثم جرى تحليلها باستخدام تقنيات علمية متقدّمة .

واستعرض المحاضر تأثير عمليات التغليف والتلميع في جودة الكتابة، والمظهر البصري للورق، إضافة إلى دورها في إعادة المعالجة التجارية للأوراق. ودعا إلى وضع إطار تشخيصي عملي، يساعد الباحثين وأمناء المخطوطات على التمييز بين الورق الإسلامي والورق شبه الإسلامي؛ ما يسهم في تحسين فهرسة المخطوطات، وحفظها، ودراسة أصولها التاريخية بدقة أكبر.

تقنيات النانو تعرض خدماتها

مداخلة أخرى قدّمها المهندس فيصل طاجين عن "تقنيات النانو في ترميم المخطوطات"، موضّحا أنّ تقنية النانو منحت بعدا ومنحى جديدين. وقدّمت تصوّرا حديثا للترميم من حيث إعادة بناء المادة المبتورة، والحدّ أو التقليل من تأثير العوامل البيئية والكائنات الدقيقة، وغيرها من المشكلات التي تتعرّض لها المخطوطات، فيما عالج الدكتور عبد الستار الحلوجي من مصر، إشكالية مهمة، تتمثّل في الندرة الواضحة لمفهرسي المخطوطات العربية المؤهّلين علميا ومهنيا، حيث رأى أنّ فهرسة المخطوطات ليست عملية تقنية بسيطة تقتصر على تسجيل البيانات الوصفية والموضوعية، بل هي تخصّص مركب، يتطلّب معارف واسعة ومتنوّعة؛ فالمفهرس، حسبه، مطالب بالإلمام بمبادئ الفهرسة، وعلاقتها بعلوم أخرى مثل التحقيق والببليوغرافيا. يحتاج إلى معرفة دقيقة بالجوانب المادية للمخطوط، كأنواع الورق، والعلامات التي تساعد على تحديد زمن إنتاج المخطوط ومكانه، كذلك ضرورة التمكّن من قراءة الخطوط العربية المختلفة، وفهم أنظمة الضبط والاختصارات، والرموز المستخدمة في النسخ المخطوطة.

وأبرز المتدخّل أهمية الخبرة في دراسة التواريخ الواردة في المخطوطات، والقدرة على التحقّق من صحتها، واكتشاف حالات التزوير أو التعامل مع المخطوطات غير المؤرّخة. كما شدّد على ضرورة الإلمام بالفنون المرتبطة بالمخطوط العربي؛ مثل الزخرفة والتذهيب، والاستعانة بالمصادر المرجعية الموثوقة، ككتب التراجم.

لا مخطوط دون خطوط كتابة

الجلسة الثانية للملتقى قدّم فيها الدكتور محمد حسن إسماعيل من مصر، ورقته البحثية "الباليوغرافيا العربية والإسلامية: التعريف والمنهج والمستقبل". وتتناول علم الباليوغرافيا (علم دراسة الخطوط والكتابات القديمة)؛ باعتباره من أهم العلوم المساعدة في دراسة التراث المكتوب والمخطوط، إذ يعنى بتحليل الخطوط القديمة، وتتبّع تطوّرها عبر الزمن والمكان، وفهم أبعادها التاريخية والثقافية.

كما قدّم الدكتور مدين حامد عبد الهادي من مصر، مداخلته عن “أحبار وأمدة: الكتابة والتدوين والمنمنة صنعة وصنف وتأصيل"، تناولت مواد الكتابة والزخرفة والتذهيب والختم المستعملة في المخطوطات القديمة، مستعرضا أهم الحوامل التي استخدمت في تدوين النصوص عبر العصور، منها الورق، والبردي، والرق، والحجر والمعادن، زيادة على أحبار الكربون القديمة، والحبر الصيني، والهندي، والعربي الجاف، والمداد التركي وغيرها. وأكّد المتدخّل أنّ دراسة الأحبار والأصباغ ومواد الكتابة ليست مجرد معرفة تقنية، بل تمثّل مفتاحا أساسيا لفهم تاريخ المخطوطات، وتحديد أصولها، وتأريخها، واختيار أساليب الحفظ والترميم المناسبة لها.