رجاء هواري… من ورشة صونيا إلى التتويج العربي
شغف يسكن الخشبة
- 166
سميرة عوام
تختزل الفنانة رجاء هواري في تجربتها المسرحية روح جيل ذهبي، حيث تأثرت بعمق بسحر الراحلة صونيا، عملاقة المسرح الجزائري، التي لم تكن بالنسبة لها مجرد قدوة فنية، بل مدرسة حقيقية ونهج حياة. فالمتحدث مع رجاء يلمس بوضوح ذلك الوفاء الصادق لهذه الأيقونة، إذ تحول إعجابها بها إلى امتداد روحي وفني عميق، استلهمت منه أبجديات الركح، وجعلت من أثرها بوصلة تنير دربها في عالم الكواليس، لتصبح اليوم واحدة من أبرز الوجوه الشابة التي تحمل إرث الكبار بكل اعتزاز.
وتعود بدايات رجاء هواري، المنحدرة من مدينة عنابة، إلى الفترة ما بين 2011 و2012، حين اقتحمت عالم المسرح رفقة المخرج هارون كلاني من خلال مسرحية "واد الخير"، حيث كشفت عن طاقات فنية واعدة لفتت انتباه الراحلة صونيا. وكان هذا اللقاء نقطة تحول في مسيرتها، إذ فتح أمامها آفاقًا واسعة للمشاركة في أعمال متميزة، مثل "امرأة من ورق" و«الجميلات". ولم يكن وقوفها إلى جانب صونيا مجرد تجربة أداء، بل ورشة تكوينية صارمة تعلمت خلالها أدق تقنيات المسرح، وأسس الحضور الفني، وقيم الالتزام والتفاني.
وتستحضر رجاء إحدى المحطات المفصلية في مسارها، حين تلقت درسًا قاسيًا في الانضباط من معلمتها، بعد تأخرها عن موعد أحد التمارين، لتجد الفريق بأكمله في انتظارها. هذا الموقف، الذي أثار غضب صونيا، شكل نقطة تحول في وعيها المهني، حيث أدركت أن احترام الوقت جزء لا يتجزأ من احترام الفن. كما تعلمت منها الفصل بين الحياة الشخصية والمهنية، والتعامل الصادق مع الزملاء، مستلهمة روح "المرأة القوية" التي تدافع عن المسرح بشغف وإخلاص.
وقد ساهم المسرح الجهوي لعنابة بشكل كبير، في صقل موهبتها وتطوير أدواتها الفنية، من خلال مشاركتها في عدة مشاريع مشتركة. ورغم حضورها القوي فوق الركح، تظل رجاء خارج الخشبة إنسانة بسيطة، تميل إلى المطالعة والاستماع للموسيقى، وتقضي أوقاتها في دفء العائلة. كما تطمح إلى تجسيد أدوار مركبة، مثل شخصية مجاهدة جزائرية، و«كارمن"، و«ليدي ماكبث".
وفي قراءة نقدية لواقع المسرح الجزائري، ترى رجاء هواري أن الفن الرابع، خاصة في شقه النسوي، لا يزال دون مستوى تطلعاته العربية، مشيرة إلى استمرار هيمنة الذكور على مفاصل الإنتاج المسرحي، لاسيما في مجالات الإخراج، والتأليف الموسيقي والسينوغرافيا، وهو ما يخلق فجوة واضحة في حضور المبدعات الجزائريات. وأمام هذا الواقع، تعبر الفنانة عن أملها في حدوث تحول حقيقي في المشهد الثقافي، من خلال بروز كفاءات نسائية قادرة على اقتحام مختلف التخصصات الفنية والتقنية، والمنافسة بندية مع الرجل، بما يرفع من مستوى الإبداع ويمنح المرأة الجزائرية مكانتها المستحقة في المسرح.
وتُوجت مسيرة رجاء هواري مؤخرًا، بحصولها على جائزة "أحسن أداء نسائي" في الطبعة الثالثة من "الأيام المسرحية العربية" بسطيف، عن دورها في مسرحية "كرنفال روماني" من إنتاج المسرح الجهوي لقسنطينة. ويُعد هذا التتويج اعترافًا مستحقًا بموهبة صقلت في مدرسة الكبار، وتأكيدا على مواصلة حمل مشعل الإبداع والحفاظ على إرث صونيا.