الدكتور بلعيد عبان ضيف "أربعاء الكلمة":
واجب العرفان للذاكرة
- 187
مريم. ن
دعا الدكتور بلعيد عبان (ابن أخي القائد عبان رمضان) أبناءَ جيله لأن يوثّقوا يوميات طفولتهم خلال ثورة التحرير، معتبرا ذلك واجبا تجاه الذاكرة، يجب أن يُحفظ للأجيال، خاصة أنّ الآخر له سرديته وبكاءاته التي يرى فيها نفسه الضحية. كما حثّ على واجب العرفان للمرأة الجزائرية، التي تجرّعت ويلات الاستعمار، وتنعم اليوم بالحرية تحت سماء بلادها الحرة.
نزل الدكتور بلعيد عبان مؤخّرا، ضيفا على فضاء "أربعاء الكلمة" ليقدّم روايته "شجرة الزيتون تحت ضوء القمر"، التي تحمل روحا إنسانية صادقة، تولّدت من ذكريات بعيدة ولاتزال حية، وتعطي صورة لنماذج من الجزائريين الذين قهرهم الاستعمار، لكنّهم استطاعوا المرور إلى حياة أفضل.
وتحدّث الضيف في بداية تدخّله، عن تكوينه العلمي؛ فهو طبيب ممارس، وأيضا أستاذ جامعي كوّن أجيالا من الأطباء، ويعيش الآن التقاعد. وتذكّر بالمناسبة حصوله على شهادة البكالوريا بعد الاستقلال، ليسجّل نفسه في معهد العلوم السياسية بالعاصمة. كما سجّل، بالمقابل، في تخصّص الطب، فكان يحمل قبعتين، لكنّه ركن العلوم السياسية جانبا إلى حين إنهاء دراسته، وتفرّغ للطب وحده. ومع مرور سنوات طويلة عاد شغف الكتابة.
وقال الدكتور عبان إنّه لجأ للكتابة حينما أراد الحديث عن عمّه البطل عبان رمضان، الذي لم يأخذ حقه الكافي من التأريخ مع بعض من التجاوزات، تطلّبت تدخّله للدفاع عنه، فكتب "الجزائر في حرب" نُشرت في كتاب في 750 صفحة سنة 2008؛ ما فتح شهيته للكتابة في مواضيع فكرية وسياسية وأخرى. وبالمقابل، كان يعقد ندوات ومحاضرات هنا وهناك. وذات مرة قال له الجمهور الحاضر: "لماذا تكتفي بالحديث عن أبطال الثورة وقادتها، ولا تتكلّم عن الشعب البسيط الذي عاش ويلات الحرب؟ " ، حينها وعدهم بالكتابة خاصة أنه ابن قرية كانت مقرا للثورة، ليكتب عن يومياتها العصيبة، فجاءت رواية "شجرة الزيتون تحت ضوء القمر" التي صدرت في فرنسا، ثم بالجزائر.
الشعب بطل الثورة
أشار المتحدث إلى أنّه ابن الريف القبائلي (الولاية الثالثة). عاش فيه طفلا صغيرا مع عائلته. وشهد أحداثا ومآسي من حرب التحرير، كان لا بدّ له اليوم ونحن في نعمة الاستقلال، أن يسجّلها، وأن يسجّل كلّ جزائري خاصة من جيله، ما حدث في منطقته، أو حيّه، أو حتى مكانه الصغير. وتروي القصة علاقة الأهالي بالثورة قبل وبعد اندلاعها، وكيف كان الأمل معقودا عليها للخلاص من ليل الاستعمار.
وهذه الرواية ذات الكتابة السلسة المشبّعة بالثقافة المحلية وبالقيم والمشاعر، تجعل القارئ منجذبا، لتحاول أكثر الغوص في سوسيولوجية المجتمع المتمثّل في الأفراد والعائلات، علما أنّ لكلّ شخصية سرديتها ورمزيتها. إحداها قال المؤلف عنها تشبهه في طفولته، مع وقفة للشخوص النسائية اللائي تجرّعن مرارة الحرب، لكنّهن جنَين الثمار بعد الاستقلال، وكنّ مؤشّرا لتحوّلات اجتماعية عميقة.
وقال الدكتور عبان إنّه يكتب بقناعاته. ويقدّم شهاداته بكلّ نزاهة، وأنّه لا يتلقى تمويلا من أحد ولا من أيّ جهة، معبّرا عن سعادته بنعمة الحرية التي جعلت رأسه مرفوعا وهو يمشي كما يشاء في شوارع الجزائر دون أن يكون خائفا أو مهدّدا بقصف صاروخ، مضيفا أنّ الاعتداء على شهدائنا اليوم يعني الاعتداء على ذاكرتهم، مستحضرا بالمناسبة، أخاه؛ أب لطفلين استشهد، ولم يُعرف قبره إلاّ مؤخّرا. كما استاء من هؤلاء الذين يشكّكون في تاريخ الجزائر اليوم، ومنهم الذين يشكّكون في مصداقية حدودنا الوطنية التي سُقيت بدماء الشهداء. وبالمناسبة، ذكر المتحدّث أنّ فرنسيا سأله ذات مرة عن كتابات الجزائريين؛: "كيف تصفون بدقّة الهضاب، والجبال، والوديان، فأجبته ببساطة لأنّنا أبناء أرضنا الجزائر؛ نعرفها شبرا بشبر، وترعرعنا بها".
حلم الطب في عزّ البؤس والقصف
استرسل المتحدّث في سرد حال البؤس في طفولته، قائلا: "لم يكن فيها سوى الجوع، والفقر، والمرض"، وأنه لم يشرب الدواء، ولم يتذوّق الأسبرين حتى بعد الاستقلال، مضيفا: "كنت أحاول الدراسة والكتابة على ضوء شمعة، فكانت تنهرني أمي حتى لا أثير انتباه الجنود الفرنسيين. لكنّني كنت أقول لها: "يا أمي تأكّدي، سأكون في يوم ما طبيبا"، فتستهزئ هي وأختي الكبرى بي، وتردّ: "أفي هذه الحال من البؤس ونحن نفر من القصف! أنتظر فقط أن نعيش أيها الصغير". وهنا أشار إلى أنّ طفلا في الرواية كان يجلس على ربوة ويرى من بعيد المدينة الأوروبية للمعمّرين، ويتمنى أن يعيش فيها؛ لأنّ بها وسائل الحياة الكريمة ليس كالقرية البائسة. وأشار المتحدث إلى أنّ كلّ من قرأ الرواية رآها تصويرية، تصلح أن تكون فيلما، لكنّه أكد أنّه مهتمّ بالكتابة وحدها، والسينما ليست صنعته رغم تكوينه فيها من خلال "السينما وراء الكاميرا" خلال دراسته بمعهد العلوم السياسية.
وعاد الطبيب عبان لواجب الذاكرة، مؤكّدا أنّه التزام منه، ووعد قطعه على نفسه لن يحيد عنه. وهو أيضا، كما قال، واجب غيره من الجزائريين خاصة من أبناء جيله؛ كي لا تضيع الذاكرة؛ فالفرنسيون من لا شيء يبنون تاريخا وذاكرة، بينما "نحن الأحق بذلك؛ لأنّنا أصحاب الأرض، والقضية"، مستعرضا جرائم ومجازر المستعمر ليس فقط أثناء الثورة، بل أيضا خلال القرن 19؛ حيث الإبادات الجماعية. وهنا استحضر قضية فلسطين ليعلّق عندما كتبت "المقاومة الجزائرية": "كنت أفكّر في فلسطين، وكأنّ التاريخ يكرّر نفس الجرائم!".
وقال المتحدث أيضا إنّ له العديد من المشاريع، وأنّه كتب آلاف الصفحات؛ ما يتطلّب طاقة للتحضير والنشر، هو الآن لا يملكها تماما كما كان بعد تقدّم العمر الذي سخّره للطب، والتدريس. وتأسّف لأنّه لم يكتب بالعربية؛ فهي لغتنا الوطنية، وكذلك اللغة الأمازيغية، علما أنّه يحسّن العربية التي تعلّمها منذ زمن في ثلاث سنوات في معهد العلوم السياسية، لكنّه بقي وفيا في روايته التي بها مقاطع من الأمازيغية والعربية الدارجة على لسان الشخصيات.
وأثناء المناقشة سألت "المساء" الكاتب عبان عن حضور الجانب السياسي في روايته، فردّ بأنّه لو لم يكن درس العلوم السياسية لما وظّف هذا الجانب في الرواية، وفي كلّ كتاباته ومقالاته الصحفية؛ لأنّ هذا التكوين يمنح القدرة على التحكّم في المصطلحات، مضيفا: "أنا مكوّن سياسيا وثقافيا؛ أكتب مثلا عن الحروب الإمبريالية لفرنسا، من ذلك مصادرة أراضي الجزائريين، وتشريدهم. وهذا الجانب السياسي التاريخي أحاول إيصاله للآخر".
كما أجاب "المساءَ" عن سؤالها الخاص برواج الرواية التاريخية في السنوات الأخيرة، قائلا إنّ هذه الرواية ليست جديدة في أدبنا، لكن يجب توخي الأفخاخ، واحترام التاريخ نفسه. ثم أجابها عن حضور المرأة في روايته، فقال إنّ ذلك عرفان لها؛ سواء في الأرياف أو المدن، "وما 19 ماي إلاّ مثال لذلك؛ عندما غادرت شابات جميلات مقاعد الدراسة مفضلات الجهاد، ولا يمكن اليوم الذاكرةَ تجاهلُهن؛ قال: "انظري اليوم للثمار؛ فالمرأة في كل القطاعات، وفي الحياة العامة محترمة في مجتمعها، وهذا هو جوهر التقدّم".