الأستاذ بلخيرة في محاضرة بالمتحف البحري:
يوبا الثاني... الملك العالم
- 501
لطيفة داريب
قال محافظ التراث الثقافي بمتحف شرشال، الأستاذ محمد بلخيرة، في محاضرته التي ألقاها أول أمس، بالمتحف البحري، والموسومة بـ"قيصرية عاصمة يوبا، الشعاع الحضاري على ضفاف المتوسط”، إن الملك يوبا الثاني مؤسس مملكة موريطانيا القيصرية، شكل استثناء تاريخيا، فبينما سعى الملوك لتوسيع حدودهم بالحرب، اختار هو توسيعها بالمعرفة والجمال.
أضاف الأستاذ بلخيرة، أن يوبا الثاني حول عاصمته القيصرية (شرشال) إلى منارة علمية، فلم يترك تماثيل رخامية فحسب، بل ترك إرثا إنسانيا، جعل منه “الملك العالم” الذي ربط بعبقريته بين حضارات البحر الأبيض المتوسط، ليظل اسمه رمزا للمثقف الذي حكم بالريشة والإزميل قبل السيف.
تحدث بلخيرة عن عدم معرفتنا بالجانب العالمي للملك يوبا الثاني، الذي وحد الشرق والغرب النوميدين، وساهم في تطوير شمال إفريقيا، فعاشت موريطانيا القيصرية، التي امتدت من قسنطينة إلى المحيط الأطلسي، فترتها الذهبية.
في هذا السياق، تحدث الأستاذ عن إسهامات يوبا الثاني العلمية والأدبية، فقد كان ملكا عالما ومثقفا موسوعيا، نشأ في أسرة أمازيغية ذات تقاليد بونية وإغريقية راسخة، وتلقى تعليما إغريقيا مبكرا، ثم صقلته إقامته بروما، حيث أتقن هناك اللغتين الإغريقية واللاتينية، إلى جانب اللغتين البونية والليبية، علاوة على ثقافته الفرعونية التي تشكلت له بعد زواجه من كليوباترا سيليني، ابنة كليوباترا السابعة.
كما تميز يوبا الثاني بولعه بالعلوم والأسفار والبحث، حتى لُقب بـ"كالكانطروس”، دلالة على قدرته الاستثنائية على استيعاب مختلف المعارف، وألف الملك العالم العديد من الكتب، يأتي في مقدمتها كتاب “بابيلونكا” الذي كتبه إثر زيارته لمنطقة شبه الجزيرة العربية، تناول فيه الموارد الطبيعية للمنطقة وحيواناتها ونباتاتها، في حين جاء كتابه “ليبيكا” ثمرة رحلته إلى جزر الكناري وليبيا القديمة، والذي يمثل تحقيقا علميا لمنطقة شمال إفريقيا،-يضيف بلخيرة-.
عدد الأستاذ كتب يوبا الثاني التي ضاعت، إلا أن أثرها موجود في كتب مؤلفين آخرين، من بينها كتاب “الآثار الرومانية أو التاريخ الروماني”، تطرق فيه إلى السكان الأوائل لإيطاليا. وكتاب “تاريخ الرسم”، الذي عرف فيه بفن الرسم والتصوير على مستوى الموضوع والشكل والأدوات، مع كتابة تراجم الرسامين واليونانيين والرومانيين والبونيقيين والأمازيغ. بالإضافة إلى كتاب “تاريخ المسرح”، وهو مؤلف من 17 كتابا، تناول فيه الآلات وأنواع الموسيقى والرقص في تلك الفترة.
نجد أيضا، حسبما ذكره بلخيرة، كتاب “المتشابهات”، وهو عبارة عن معجم لغوي يحلل فيه يوبا الثاني أصل اللغة اللاتينية. أما كتاب “تحريف أو فساد اللغة”، فاختص في التدقيق اللغوي للغة اللاتينية، بينما تناول الملك في كتاب “اليوفورب”، دراسة علمية لنبتة اليوفورب، وهي إحدى الأعشاب التي اكتشفها في جبال الأطلس، تفيد في إزالة السموم وتنشيط الفكر وتقوية النظر.
وتابع المتحدث، أن يوبا الثاني عُرف بذوقه الفني الرفيع، حيث شيد مجموعة من المتاحف لجمع وعرض الآثار والمنحوتات والنقود والمعادن النفيسة، وكذا لعرض نتائج اكتشافاته الطبيعية والرحلات العلمية والسياسية. كما أسس مركزا فنيا في قصره، واستدعى فنانين من مناطق أخرى لممارسة فنهم، لتُعدَّ تماثيل “القصرية”، التي أنتجت في عهده، من أرقى المجموعات الأثرية في العالم، بعضها موجود في متحف شرشال، وأخرى موجودة في متاحف عالمية. وقد تم إنجازها برخام جُلب من كارارا بإيطاليا.
تحدث المحاضر أيضا عن الإنجازات العمرانية ليوبا الثاني، الذي حكم ابتداء من عام 25 قبل الميلاد، إلى غاية عام 23 ميلادي، حيث أجرى الملك تحولا عمرانيا شاملا على عاصمته، محولا إياها من مدينة فينيقية صغيرة إلى عاصمة ملكية كبرى تضاهي المدن الرومانية، ومن أبرز إنجازاته، نجد الفوروم الذي تم اكتشافه عام 1978، ويقصد به الساحة العامة في قلب المدينة، علاوة على ساحة عاصمة يوبا الثاني التي تبلغ مساحتها 370 هكتار، استغل منها الجزء الشمالي للبناء، في حين خُصص الجزء الجنوبي للثكنات العسكرية والحدائق والحقول والمقبرة، وقد أحيطت بسور تحصيني ضخم، يعد من أكبر أسوار المدن الإفريقية والرومانية، بطول يقارب 4460 متر، ومع إضافة السور البحري، يصل الطول الإجمالي للأسوار نحو 8000 متر.
أما ميناء القيصرية، فقد تم تشييده على شاكلة ميناء الإسكندرية، وقد تم تزويده بمنارة يبلغ ارتفاعها نحو 38 مترا، في حين شيد يوبا الثاني مسرحا يعد من أولى المسارح الرومانية، تم تحويله إلى مدرج يحتضن المبارزة بين المصارعين، وكذا سيرك، وهو السيرك الروماني الوحيد المتبقي في الجزائر، وقد خُصص لسباق الخيل والعربات، بالإضافة إلى حمامات، يعود تأسيسها إلى القرن الثاني بعد الميلاد، وتعد الحمامات الغربية أكبر المجمعات الحمامية في مدينة شرشال، بمساحة تفوق 8050 متر، وكذا قطار المياه، وهي عبارة عن منشآت تزويد القيصرية بالمياه، تقع في الجهة الشرقية للمدينة.
وتطرق المحاضر في مداخلته، إلى الجانب الاقتصادي في عهد حكم يوبا الثاني، الذي ركز على تنظيم الأراضي الزراعية حول القيصرية، وشجع إدخال محاصيل جديدة، كالزيتون والكروم والرمان، كما ضرب العملة بجانب زوجته الملكة كليوباترا سيليني، التي توفيت في عمر 35 سنة، واستعمل في ذلك معادن الذهب والفضة والبرونز.
للإشارة، ولد يوبا الثاني حوالي 50 قبل الميلاد، في زاما الملكية، ابن يوبا الأول وحفيد ماسينيسا، تعرض للأسر بعد هزيمة والده في معركة تابسوس، تبناه القيصر الروماني وتلقى تربية رومانية مميزة، وهو نفس مصير كليوباترا سيليني، التي تربت معه في قصر الأميرة أوكتافيا، ثم تزوجا معا وأنجبا الملك بطليموس الموريطاني، الذي يعد آخر ملك من أصل نوميدي حكم المنطقة.
وقد تولى يوبا الثاني عرش مملكة موريطانيا القيصرية، في إطار السياسة الرومانية التي اعتمدت على الملوك المحليين، لضمان الاستقرار في الأقاليم البعيدة، وقد كان الأنسب لهذا الدور، بفضل أصوله النوميدية وثقة الإمبراطور أوكتافيوس به، لتعرف المملكة الموريطانية القيصرية أوجها في فترة حكمه.