قال إن عودة العلاقات مع مالي لها تداعيات اقتصادية هامة.. تيغرسي لـ"المساء ":
الجزائر تعزز موقعها الاقتصادي في منطقة الساحل
- 119
حنان. ح
أكد الخبير في الشؤون الاقتصادية، الهواري تيغرسي، أن عودة الدفء إلى العلاقات الجزائرية–المالية له بعد اقتصادي واستراتيجي يتجاوز إصلاح العلاقة الثنائية نفسها، موضحا بأن هذه الخطوة تأتي في توقيت تبنت فيه الجزائر حضورا اقتصاديا جديدا بصورة أكثر وضوحا في منطقة الساحل، يقوم بالخصوص على تطوير قطاعات متنوعة أبرزها الطاقة، وليس فقط على التعاون السياسي أو الأمني.
قال الخبير تيغرسي، أمس، في تصريح لـ"المساء" إن تداعيات عودة العلاقات بين الجزائر ومالي إلى مجاريها تلقي بظلالها على العلاقات الاقتصادية، كون مالي ليست دولة هامشية، بل تمثل "حلقة جغرافية وسياسية واقتصادية أساسية بين الجزائر والنيجر وبوركينافاسو ومنطقة الساحل".
وبعد أن ذكر بتسلسل الأحداث منذ قرار البلدين بإعادة تبادل سفيريهما وإعادة فتح مجالهما الجوي أمام الرحلات القادمة والمتجهة إليهما، أكد محدثنا أن هذه الخطوة تعني من الناحية الاقتصادية إعادة فتح قنوات التواصل، "حيث تتيح عودة العلاقات إلى طبيعتها الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة". واعتبر تيغرسي أن ما يضفي على هذه التطورات أهمية أكبر على المستوى الاقتصادي، هو كون الجزائر بدأت بالفعل بناء حضورها الاقتصادي في الساحل، بدليل المشاريع المنجزة ميدانيا في النيجر وتشاد، وما ينتظر تحقيقه كذلك في بوركينافاسو التي وقعت مع الجزائر في فيفري الماضي محضر مباحثات في مجال الطاقة.
وبالنسبة للخبير تظهر هذه التطورات ملامح استراتيجية مختلفة، تعمل بلادنا من خلالها على تقديم نفسها ليس فقط كدولة داعمة لبلدان الساحل، وإنما كشريك اقتصادي وتقني داخل هذه المنطقة الحيوية، وهو ما وصفه تيغرسي بـ"الفارق الجوهري"، مبرزا في هذا السياق، أهمية انضمام مالي إلى هذه المنظومة بحكم موقعها الجغرافي ووزنها السكاني والاقتصادي وصلاتها التاريخية بالجزائر، حيث أعرب عن اقتناعه بأن "الطاقة هي المدخل الأكثر واقعية والأسرع" في تجسيد هذه الاستراتيجية، معللا ذلك بكون دول الساحل تعاني من فجوات كبيرة في إنتاج الكهرباء، بينما تمتلك الجزائر خبرة مؤسساتية وتقنية كبيرة من خلال "سونلغاز" و"سوناطراك" ومؤسساتها الهندسية. وأكد أن الخطوة المقبلة يجب ألا تكون فقط بناء محطة كهربائية هنا أو هناك، بل التفكير في منظومة طاقة جزائرية–ساحلية تقوم على مشاريع مهيكلة تضم كل سلسلة القيم من الإنتاج إلى خدمات ما بعد البيع، مرورا بالتوزيع والصيانة والتكوين.
واعتبر تيغرسي أن الفرص الأكبر قد تكون في المناجم، لافتا إلى أن الجزائر بحاجة في هذا المجال إلى رفع مستوى الطموح، حيث ذكر بأن منطقة الساحل غنية بالمعادن مثل الذهب واليورانيوم والليثيوم والحديد، في الوقت الذي تمتلك فيه الجزائر خبرة متنامية في تطوير المشاريع الصناعية المرتبطة بها، وهو ما يسمح بنقل العلاقة من مجرد الاستخراج الى التحويل الصناعي.
كما اعتبر عودة العلاقات مع مالي كفيلة بفتح الباب أمام التفكير في محور اقتصادي شمال–جنوب مع البحث بالتوازي عن ربطه بالأسواق المجاورة، بانتهاج نموذج لا يضعها في موضع المنافس للقوى الأخرى، وإنما يعطيها القدرة على أن تكون مرافقا لهذه الدول في تنميتها المستدامة باحترام سيادتها، سجل وجود تحديات حقيقية لابد من الانتباه إليها، مشيرا إلى أن منطقة الساحل ما زالت تعاني من هشاشة أمنية وتعمل دولها حاليا على ترتيب تحالفاتها الدولية.
وخلص تيغرسي إلى أن عودة الدفء مع مالي ليس "مجرد تسوية دبلوماسية"، بل يمكن أن يصبح نقطة ارتكاز لإعادة بناء الحضور الاقتصادي الجزائري في الساحل، ضمن مسار ينسجم مع توجه أوسع نحو التعاون جنوب–جنوب تقوده المصالح الاقتصادية والتنمية المشتركة، وهو ما يعطي للتحرك الجزائري في الساحل مضمونا اقتصاديا طويل الأمد، وليس مجرد رد فعل على التحولات الجيوسياسية.