الخبير الاستراتيجي في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باسم لعرج لـ"المساء":
علاقات الجزائر متوازنة مع الدول الكبرى
- 164
شريفة عابد
❊ التنويع في العلاقات يمنح الجزائر هامشا أكبر للدفاع عن مصالحها
أكد الدكتور باسم لعرج، المحلّل الاستراتيجي والخبير في الشؤون الجيوسياسية لمنطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا، في تصريح لـ"المساء"، أن تأكيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بقدرة الجزائر على الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من موسكو وبكين وواشنطن، يستند إلى الإمكانيات التي تتوفر عليها وإرث استراتيجي يؤهلها إلى التحوّل إلى مركز صناعي ولوجستي يربط البحر المتوسط بالساحل وإفريقيا، مشيرا إلى أن التنوّع في العلاقات مفيد في ظل التنافس بين القوى الكبرى، حيث يتيح للجزائر، قدرة أحسن على الحوار مع الدول الكبرى الثلاث في الوقت نفسه، ويمنحها هامشاً أكبر للدفاع عن مصالحها .
أوضح الخبير الاستراتيجي ومؤسس شركة "Amane Risk Consulting" للاستشارات في المخاطر الجيوسياسية الاستراتيجية، بأن الأمر مرتبط بمحافظة الجزائر على استقلالية قرارها وقدرتها على التعامل مع مختلف القوى الدولية وفق مصالحها الوطنية، مشيرا إلى أن ذلك ليس توجّها جديدا في السياسة الخارجية للجزائر، حيث ابتعدت تاريخيا عن سياسة المحاور. كما لا يوجد تناقض بالضرورة بين الاحتفاظ بعلاقة استراتيجية مع روسيا والصين وتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية.
ولفت الدكتور لعرج، إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار على أن العلاقة مع كل واحدة من هذه الدول تقوم على أسس مختلفة، "فروسيا شريك تاريخي للجزائر، خاصة في المجال العسكري والاستراتيجي.. والصين أصبحت خلال السنوات الأخيرة شريكاً اقتصادياً وتجارياً مهماً جداً، لها حضور واضح في مشاريع البنية التحتية والاستثمار.. أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فهي بدورها تتطور ولم تعد تقتصر فقط على التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، بل أصبحت تشمل بشكل متزايد الطاقة والاستثمار والمناجم والتكنولوجيا". وأكد أن المقاربة الجزائرية تقوم أساساً على تنويع الشركاء، وليس استبدال شريك بآخر، خاصة وأن المرحلة الحالية، تشهد تنافسا متزايدا بين القوى الكبرى، وقدرة دولة مثل الجزائر على الحوار مع واشنطن وموسكو وبكين في الوقت، نفسه تمنحها هامشاً أكبر للدفاع عن مصالحها.
وأكد لعراج أن أهمية الجزائر بالنسبة للقوى الكبرى لا تختزل في إمكانياتها من الغاز والنفط، بل تتجاوز ذلك بكثير، وأول ما يجب النظر إليه هو الجغرافيا، بحكم وجودها في نقطة اتصال بين البحر المتوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل، ولديها حدود طويلة مع دول مثل ليبيا والنيجر ومالي وموريتانيا، ما يجعلها معنية بكل ما يحدث في المنطقة، سواء تعلق الأمر بمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة أو الهجرة أو معالجة الأزمات السياسية والأمنية، مبرزا في هذا الصدد الخبرة الكبيرة للجزائر في مجال مكافحة الارهاب، إضافة إلى معرفتها بطبيعة المجتمعات والتوازنات السياسية والأمنية في الساحل، كما لديها تجربة في الوساطة بين أطراف النزاعات، حتى وإن كانت الظروف الإقليمية اليوم أكثر تعقيداً مما كانت عليه في السابق، وهذا كله يمثل قيمة بالنسبة إلى شركائها الدوليين.
وأوضح لعرج أن الولايات المتحدة، مثلا، تحتاج إلى شركاء إقليميين قادرين على المساهمة في الاستقرار ومكافحة التنظيمات الإرهابية، خاصة في وقت أصبحت فيه منطقة الساحل تمر بتحوّلات عميقة، في حين تنظر الصين إلى المسألة من زاوية مختلفة إلى حد ما، ولديها استثمارات ومصالح اقتصادية متزايدة في إفريقيا، وبالتالي فإن الاستقرار وتأمين طرق التجارة والمشاريع والبنية التحتية مسألة أساسية بالنسبة إليها. أما روسيا، فقد عززت حضورها في عدد من دول الساحل خلال السنوات الأخيرة. ومع ذلك، تبقى الجزائر دولة مهمة بالنسبة إلى موسكو بحكم العلاقات التاريخية بين البلدين، وبحكم وزنها السياسي والعسكري وموقعها الجغرافي.
كما يبرز في هذا الإطار، حسب محدثنا، الدور الاقتصادي الذي يمكن أن تلعبه الجزائر بين إفريقيا ومنطقة المتوسط، إذا ما أخذنا بعين الحسبان الطريق العابر للصحراء، ومشاريع السكك الحديدية، وشبكات الطاقة، والألياف البصرية، وتطوير الموانئ، حيث نلاحظ أن هناك إمكانية حقيقية لربط الجزائر بصورة أكبر بالعمق الإفريقي. "وهنا يمكن أن يتغير دور الجزائر تدريجيا، فلا تكون فقط دولة مجاورة للساحل أو طرفاً معنيا بأمنه، وإنما بوابة اقتصادية ولوجستية لدول الساحل نحو المتوسط". وما يرفع من قيمة الجزائر في ميزان العلاقات مع الدول الكبرى الثلاثة.
ويعتقد الخبير أن القطاع المنجمي يمكن أن يصبح خلال السنوات المقبلة أحد الملفات المهمة في علاقات الجزائر الاقتصادية مع شركائها، ما يجعل الدول الكبرى تبحث عن مصادر جديدة وتنويع سلاسل التوريد. وذكر في هذا السياق بمشروع غارا جبيلات، الذي يظهر كنموذج، بحجم احتياطاته من الحديد، وما يجري بناؤه حول المنجم من بنية تحتية، خاصة خط السكك الحديدية الذي يربط غارا جبيلات بتندوف وبشار، مشيرا إلى أن الجزائر لا ينبغي أن تكتفي باستخراج مواردها وتصديرها في شكلها الخام، لأن الرهان الحقيقي هو أن تتحوّل هذه الموارد إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الجزائري، وبناء صناعة حولها ثم نقلها وتصديرها. وينطبق الأمر على مشروع الفوسفات في شرق البلاد، والذي يفتح المجال أمام شراكات مختلفة، حسب الخبير، الذي أكد أن الصين لديها خبرة كبيرة في مشاريع البنية التحتية ولها حضور اقتصادي مهم في الجزائر والولايات المتحدة تستطيع أن تقدم استثمارات وتكنولوجيا وخبرة في قطاعات مثل الطاقة والمناجم والصناعة. أما روسيا، فلديها علاقات تاريخية مع الجزائر وإمكانات للتعاون في قطاعات الطاقة والصناعة ومجالات أخرى.