في اختبار جديد لقدرة السلطات على احتواء الغضب

تصاعد موجة الاحتجاجات في فرنسا

تصاعد موجة الاحتجاجات في فرنسا
  • 133
ق .د ق .د

عاشت فرنسا، أمس، يوما عصيبا آخر مع اندلاع موجة جديدة من المظاهرات احتجاجا على غلاء المعيشة وتدهور أوضاع التعليم تضمنت رفع مطالب أخرى برائحة حسابات سياسية وعرفت مشاركة فئات مجتمعية واسعة وحدت صوتها في وجه حكومة وجدت نفسها في قلب اختبار عويص لمدى قدرتها على احتواء غضب الشارع.

فمن طلاب المدارس والجامعات إلى أصحاب السترات الصفراء والنقابين والمزارعين، إلى جانب انضمام سائقي سيارات الأجرة، سرعان مع توسعت رقعت احتجاجات، أمس، لتشمل مختلف أنحاء فرنسا وسط انتشار مكثف لقوات الأمن، التي أعدت مسبقا مخططا أمنيا تحسّبا لاحتمال حدوث تجاوزات أو محاولات لقطع الطرق وغلق المنشآت الحيوية، فيما فعلت رئاسة الحكومة خلية أزمة مشتركة. 

وشوهد انتشار كثيف لعناصر الأمن وسط العاصمة باريس، التي سادتها أجواء من التوتر قبيل انطلاق المسيرات، بعد أن أطلقت الشرطة قنابل مسيلة للدموع، خصوصا في ساحة الجمهورية لمنع المئات من المحتجين من الوصل إلى ‌الشانزليزيه وقوس النصر. وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة من باريس وليون أرفقتها تعليقات تتحدث عن استخدام قوات الأمن القنابل الصوتية لتفريق المحتجين وإطلاق مقذوفات خلال المواجهات، إلى جانب مشاهد لدخان كثيف في شوارع حي غيوتيير بمدينة ليون. 

كما أظهرت إحدى اللقطات شخصا ممددا على الأرض وسط تدخلات أمنية، وتحدثت المنشورات المصاحبة عن إصابات في صفوف المتظاهرين في مشاهد تعكس حدة التوترات التي رافقت التحركات الاحتجاجية. وفي مدينة ليون وضواحيها، شهدت عدة مواقع توترات ميدانية استدعت تدخل قوات الأمن لتفريق تجمّعات ومحاولات لعرقلة حركة المرور، بينما امتدت التحركات إلى محيط المؤسسات الجامعية وضفاف نهر الرون. 

وفي الجنوب، اقتحم محتجون لفترة وجيزة مبنى بلدية مرسيليا، ثاني كبرى المدن الفرنسية، حيث أقدم محتجون ملثمون على خلع الباب ثم دخل عدد منهم إلى المبنى وقام أحدهم برسم رمز خاص بالنشطاء الفوضويين على أحد الجدران، قبل أن تتدخل الشرطة لتفريقهم. كما أغلق محتجون يرتدون “السترات الصفراء” بعض الشوارع في مشهد يذكر بالاضطرابات التي شابت الولاية الرئاسية السابقة للرئيس إيمانويل ماكرون، بينما أضرمت النار في حاويات قمامة في مرسيليا وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.

وترافقت هذه التطوّرات مع دعوات إلى تنظيم تجمعات وعمليات قطع للطرق في مواقع حيوية من بينها محطة بارت ديو للقطارات وميناء إدوار هيريو ومصفاة فيزان وسط مخاوف من اتساع الاضطرابات في المدينة ومحيطها. وامتدت التحركات إلى مدن فرنسية أخرى على غرار بوردو وبيزانسون، حيث برزت مشاركة فئات اجتماعية ومهنية مختلفة من عمال وموظفين وطلاب وتلاميذ ومتقاعدين إلى ناشطين اجتماعيين وأعضاء من حركة “السترات الصفراء” في مؤشر على اتساع نطاق المطالب وتجاوزها إطار فئة اجتماعية بعينها.

وفي بيزانسون، شارك حوالي مئة شخص في تجمع عبر خلاله المشاركون عن استيائهم من ارتفاع أسعار المواد الأساسية، بما فيها المواد الغذائية ومستلزمات الحياة اليومية، مشيرين إلى تراجع قدرتهم على الإنفاق واضطرارهم إلى تقليص المصاريف غير الضرورية. وأكد مشاركون ضرورة توحيد تحركات العمال والطلاب ومختلف الفئات الاجتماعية لضمان استمرار التعبئة. وتكشف هذه التحركات عن حجم الضغوط المعيشية التي تواجه قطاعات من المجتمع الفرنسي في ظل تزايد المطالب بتحسين الأجور والمعاشات وخفض الأسعار وحماية الخدمات العمومية بالتوازي مع تصاعد التوترات في الشارع وتكرار تدخلات قوات الأمن.

ويسلط اتساع رقعة الاحتجاجات وتعدد الفئات المشاركة فيها الضوء على حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها فرنسا في ظل تصاعد المطالب المرتبطة بالقدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة وتزايد التوترات المصاحبة للاحتجاجات في الشارع، بما يضع السلطات أمام اختبار جديد لاحتواء الغضب الاجتماعي والاستجابة لانشغالات المواطنين. وبين الحسابات السياسية والمطالب الاجتماعية، تكتسب احتجاجات السبت أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في افريل 2027، حيث يدخل الرئيس ايمانويل ماكرون، الذي دعا إلى الهدوء واحترام القانون، المرحلة الأخيرة من ولايته الرئاسية تاركا وراءه ناخبين منقسمين ومشهدا سياسيا شديد الاضطراب.