من حب المولودية إلى نبض الوطن
"الإلتراس".. صنّاع الفرح والإبداع بعيدا عن الأضواء
- 182
نور الهدى بوطيبة
❊ تناغم الانتماء برموز تعبّر عن عمق الهوية
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتغير الاهتمامات من يوم الى آخر، تبقى كرة القدم واحدة من الظواهر القليلة، القادرة على جمع آلاف الأشخاص، بل وحتى الملايين حول فكرة واحدة، وحلم واحد، وشعار واحد؛ فهي ليست مجرد لعبة يتنافس فيها اثنان وعشرون لاعبا فوق أرضية الميدان، بل مساحة واسعة للمشاعر، والانتماء، والذاكرة الجماعية. ومسرح تتقاطع فيه قصص النجاح مع أحلام الجماهير، التي ترى في فرقها امتدادا لهويتها، وتاريخها، وخصوصيتها الثقافية والاجتماعية. تعلَّق حينها آمال أبعد من مجرد دقائق من الحماس، أو الخوف أو القلق؛ لذلك لا تقتصر قيمة الانتصارات الرياضية على ما تحققه من ألقاب وأرقام، بل تتجلى كذلك في تلك اللحظات النادرة التي تنفجر فيها مشاعر الفرح في المدرجات والشوارع والساحات العامة، معلنة عن ميلاد مشهد استثنائي تتوحد فيه الأصوات، والقلوب وكذلك الألوان.
لعل أجمل ما في احتفالات كرة القدم أنها تتجاوز حدود الملعب، لتصبح لغة عالمية يفهمها الجميع دون حاجة الى ترجمة، فحين ينجح فريق في بلوغ منصة التتويج لا يحتفل اللاعبون وحدهم، بل تحتفل مدينة بأكملها، وحتى عشاقها من دول بعيدة. وتخرج العائلات والأطفال والشباب وكبار السن ليشاركوا في صناعة لوحة جماعية عنوانها الفرح؛ لوحة تتداخل فيها الرايات مع الأغاني، والهتافات مع الدموع والابتسامات؛ في مشهد يختصر سنوات من الانتظار، والتشجيع والوفاء.
ومن بين تلك المشاهد التي شدت الانظار مؤخرا برزت احتفالات مولودية الجزائر، التي عكست، مرة أخرى، المكانة الخاصة التي يحتلها النادي في قلوب أنصاره، حيث تحولت لحظات التتويج والفرح الى استعراض جماهيري مهيب، تتخلله مشاعر من الحب والحماس والغيرة. وأظهر قدرة الجماهير الجزائرية على صناعة فرجة، ومشاهد من نوع آخر خارج الملعب تماما، مثل ما صنعها اللاعبون داخله خلال المباراة. فبمجرد إعلان النجاح انطلقت موجة من الاحتفالات غمرت المدرجات والشوارع. وارتفعت الأعلام والرايات الخضراء والحمراء في كل مكان، بينما توحدت الحناجر في نشيد الأغاني التي رافقت الفريق طوال الموسم، لتبدو العاصمة وكأنها تعيش على إيقاع واحد، ونبض واحد.
مظاهر احتفالات امتدت لأيام قبل وبعد المباراة، بين آمال كبيرة للفوز للبعض، وثقة البعض الآخر بحتمية النجاح؛ فكل مناصر للفريق أبدى تميزه وانحيازه من خلال رفعه راية الفريق أو ارتداء القميص، لترى تلك الألوان هنا وهناك على مدار أيام الاحتفال. رايات كبيرة في السيارات، وأخرى على طول البنايات والعمارات. كما تلونت بعض المحلات بقلب العاصمة بأضواء من الأحمر والأخضر. وبعض تلك الرايات يبلغ طولها الخمسين مترا و أكثر؛ فلا حدود للتميز فالهدف واحد؛ التعبير عن الفرحة، ومكايدة وحتى مضايقة مناصري الفرق الأخرى، وخلق جو من المنافسة الجميلة شديدة اللهجة تارة، ومضحكة، ممتعة وعفوية تارة أخرى..
التناغم المذهل بين مكونات المشهد الجماهيري
ما لفت الانتباه هذه المرة في الاحتفالات ليس حجم الحضور فقط، بل ذلك التناغم المذهل بين مختلف مكونات المشهد الجماهيري؛ فكل تفصيل يبدو وكأنه جزء من عمل جماعي دقيق تم التحضير له مسبقا؛ من اختيار الشعارات واللافتات الى تصميم الرايات العملاقة، والرسائل البصرية التي تزين المدرجات، وصولا الى الأغاني التي ترددها الجماهير بصوت واحد في انسجام يثير الإعجاب. وهو ما يجعل الكثير من المتابعين عبر العالم يرون الجماهير الجزائرية من بين أكثر جماهير كرة القدم إبداعا وشغفا في القارة الإفريقية، والعالم العربي، بل وحتى العالم كافة.
وعلى عكس هدوء بعض مناصري فرق عالمية، تتميز جماهير الجزائر بحبها للتعبير عن شغفها بطريقتها الخاصة؛ فيها ضوضاء لكن بنغمات متناسقة، وممتعة. كما أثار الإعجاب ذلك التناسق في إطلاق الألعاب النارية التي زينت سماء العاصمة بالأحمر في وقت واحد؛ كأنها نجوم حمراء، حولت الظلام الى نور لا يرى بريقَه إلا من يملك شغفا خاصا بكرة القدم. كما توالت مواكب السيارات والدراجات النارية ليس بعشرات المراكب، بل بالمئات وسط فرحة يتقاسمها الجميع.
احتفال طبعه تفاعل رقمي في باقي المعمورة
وقد أصبحت الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت تلك الأجواء، تنتشر بسرعة عبر مختلف المنصات الرقمية، حيث تفاعل معها آلاف المتابعين من مختلف الجنسيات، معبرين عن إعجابهم بما تقدمه الجماهير الجزائرية من لوحات بصرية وتنظيمية مميزة، إذ لم تعد المدرجات مجرد أماكن لمتابعة المباريات، بل تحولت الى فضاءات للإبداع الجماعي والفن الجماهيري، الذي يجمع بين الموسيقى والرسم والرموز التاريخية والرسائل الاجتماعية في قالب واحد، لا سيما أن الاحتفال امتد خارج حدود الملعب.
وتُعد جماهير مولودية الجزائر من أكثر الجماهير الكروية حضورا وتأثيرا في الجزائر، إذ تشهد احتفالاتها بالمناسبات الكبرى وعلى رأسها التتويج بالدوري، مشاهد استثنائية داخل العاصمة الجزائرية؛ إذ تؤكد بعض المصادر أن الاحتفال الأخير باللقب قد رافقه مشهد ضخم قُدر بأكثر من 2000 إشارة ضوئية بحرية، تم إطلاقه في السماء، الى جانب آلاف الشماريخ. وهي أنواع من الألعاب النارية رسمت أجواء احتفالية فريدة، لاتزال فيديوهات موثقة لتلك الأجواء، تُتداول بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتجوب العالم.
الحاجة إلى الانتماء والمشاركة الجماعية
حول هذا الموضوع كان لـ”المساء” حديث مع فارس عابدين خبير علم النفس الرياضي، الذي أكد أن مثل هذه الاحتفالات تعكس حاجة إنسانية عميقة الى الانتماء، والمشاركة الجماعية، فالإنسان بطبيعته يبحث عن مجموعة يشعر داخلها بالقبول، والتقدير. وعندما يحقق الفريق الذي يشجعه نجاحا، يشعر المشجع وكأنه شارك شخصيا في هذا الإنجاز، فتتحول الفرحة الفردية الى فرحة جماعية مضاعفة.
كما تساهم هذه اللحظات في تعزيز المشاعر الإيجابية، وتخفيف الضغوط اليومية، وخلق حالة من التفاؤل والاعتزاز المشترك. وأضاف أن هذا الحب لكرة القدم تجده في كثير الدول الشابة، أي التي يتميز تعدادها السكاني بغالبية الشباب، وحتى الدول التي تحصي عددا من الأحياء الشعبية، إذ إن كرة القدم من بين الرياضات القليلة التي تولَد مواهبها في الشارع، وسط بساطة الأحياء وحتى الفقيرة منها، لتتحول مع الزمن الى شغف دولة كاملة، وهذا ما تتميز به الجزائر التي وُلد داخلها وحتى خارجها لكن من جنسيات جزائرية نجوم كرة القدم اشتهرت بفضلهم الفرق الجزائرية؛ إذ يعرف العالم اليوم العديد من الأسماء الجزائرية الشهيرة والمتألقة في كرة القدم، عدد منهم يحملون ألقابا عالمية.
شبكة الرموز والقيم المشتركة
وعلى صعيد علم الاجتماع، تبدو الظاهرة أكثر عمقا؛ فالمشجع لا يرتبط بالنادي بسبب النتائج فقط، بل بسبب شبكة واسعة من الرموز والقيم والذكريات المشتركة، التي لها علاقة بطريقة أو بأخرى، برموز الوطنية، وحب الوطن، وفق ما أكد فاروق مباركي، خبير علم الاجتماع، الذي أضاف: "لذلك تصبح الاحتفالات مناسبة لإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية والوطنية بين أفراد المجتمع، حيث يلتقي أشخاص من أعمار وخلفيات مختلفة لكن يجمعهم الانتماء، والهدف الواحد. ويشعر الجميع بأنهم جزء من قصة جماعية أكبر منهم. وهي حالة نادرة في المجتمعات الحديثة، التي تتسم غالبا بالفردانية، وتشتّت الاهتمامات أو حتى بين من تغيب عنها روح الوطنية بين شبابها على عكس الجزائري، الذي يعتز بانتمائه لدولة المليون ونصف المليون شهيد.
كما أكد الخبير في مجال الاتصال الجماهيري، أن هذه الاحتفالات تمثل وسيلة فعالة للتعبير عن الهوية المحلية والوطنية في الوقت نفسه. فعندما تُرفع الأعلام وتتعالى الأغاني وتزيَّن الشوارع بالألوان الخاصة بالنادي، فإن الرسالة لا تقتصر على دعم فريق معيّن، بل تمتد لتعكس صورة مجتمع قادر على التنظيم والتعبير الحضاري عن مشاعره، وعلى تقديم صورة إيجابية عن نفسه أمام العالم، وعن الدفاع عن وطنه، وانتمائه بطريقته الخاصة، موضحا: "اليوم هذا ما نقف عليه عبر شاشات وفيديوهات تنقلها وسائل أجنبية، للجمهور الجزائري، الذي يعرب مباشرة عن انتمائه بحمل الراية الوطنية، أو بصريح العبارة: "أنا جزائري وأفتخر بذلك".
"الإلتراس" العمود الفقري للمدرجات
أوضح محدث “المساء” أن النادي يرتبط في الذاكرة الجماهيرية بسياق تاريخي يعود الى فترة الاستعمار الفرنسي، حيث ينظر الى تأسيسه ضمن مرحلة ارتبطت فيها كرة القدم ببعد اجتماعي وهوية مقاومة لدى فئات واسعة من المجتمع، وهو ما ينعكس في بعض الشعارات والرسائل الرمزية التي تُرفع داخل المدرجات في المناسبات الكبرى؛ احتفاء بتاريخ النادي الممتد لأكثر من قرن، إذ إن النادي تأسس أساسا لمقاومة الاستعمار الفرنسي.
وأضاف المتحدث الذي هو أيضا من مناصري نادي مولودية الجزائر، أن ما كشفته احتفالات المولودية مؤخرا، ما هو إلا مثال جديد على قدرة الجماهير الجزائرية على تحويل الفرح الى لغة مشتركة، وعلى صناعة صور تبقى راسخة في الذاكرة، بل وتقتدي بها بعض النوادي الأجنبية ومناصروها. كما تحمل صورا تروي قصة عشق لا تحد منها النتائج ولا المواسم، على حد تعبيره، بل تتجدد مع كل مباراة وكل أغنية وكل راية ترفرف في المدرجات، وبعدها في الشوارع لتعديل النبض الجماعي للجماهير، التي تقرر أن تحتفل بالحلم الذي تحقق.
وفي قلب هذا المشهد تبرز المجموعات المعروفة باسم "روابط المشجعين" أو المجموعات "فائقة التشجيع" محليا، تطلق عليها لاتينيًّا اسم "لي إيلترا" أو "الإلتراس"؛ أي فائقي التشجيع؛ حيث تشكل هذه المجموعات العمود الفقري للمدرجات، فهي التي تتولى في كثير من الأحيان، إعداد العروض البصرية، وتنظيم الهتافات، واختيار الشعارات، وصناعة الرايات واللافتات. كما تشرف على التنسيق بين آلاف المناصرين من أجل ضمان خروج اللوحات الجماهيرية بالشكل المطلوب. وهي مهمة تتطلب ساعات طويلة من العمل، والتحضير، والتمويل الذاتي، والتعاون بين الأعضاء، عملها كعمل خلية النحل، في هدوء تام، لكن الهدف خلق خلال اليوم المنشود، ضوضاء، يصل صداه إلى مختلف بقاع الوطن، أو حتى يتعداه أحيانا.
كبير هو حجم الجهد الذي يبذله هؤلاء المشجعون خلف الكواليس، حسب بعض المناصرين، فقبل ظهور أي لوحة جماهيرية عملاقة تكون هناك اجتماعات وأفكار ورسومات وتجارب وتحضيرات تقنية بعضها معقدة. كما يحرص أعضاء هذه الروابط على الحفاظ على مجموعة من القوانين الداخلية التي تنظم عملهم الجماعي، وتؤكد على روح الانضباط والوفاء للنادي، وهو ما يفسر ذلك المستوى العالي من التنسيق الذي يظهر في المدرجات خلال المباريات الكبرى، والاحتفالات المهمة، حسب تصريحات أكدها بعض مناصري النوادي بدل الإلتراس؛ لصعوبة الوصول والحديث مع أحد أعضائهم؛ بسبب قوانينهم الصارمة.
وللإشارة، فإنّ لظاهرة فائقي التشجيع أو ما يُعرف بروابط الأنصار، طابعا خاصا يجعلها مختلفة عن باقي مكونات المشهد الرياضي؛ فهي جماعات تقوم على روح التنظيم، والانضباط، والعمل الجماعي خلف الكواليس أكثر مما تقوم على الظهور أو الأضواء، إذ يفضل أعضاؤها ووفق قوانينهم الخاصة، البقاء في دائرة الظل بعيدا عن التصريحات الإعلامية، أو الظهور مع الصحافة أو حتى من خلال فيديوهات، ليس رفضا للإعلام بقدر ما هو اختيار نابع من قناعة داخلية تقوم على الحفاظ على خصوصية المجموعة، وعلى أمنها أحيانا، وحتى على انسجامها الداخلي، حيث تُعد هذه القواعد جزءا من فلسفة العمل لديهم، هدفها الأساسي أن تبقى المدرجات هي المنصة الحقيقية للتعبير والتشجيع، وأن يكون الصوت هناك جماعيا وموحدا لا يُنسب الى شخص واحد. وهو ما يمنح هذه المجموعات ذلك الطابع المميز الذي يجمع بين الغموض والتنظيم في آن واحد.