طبيعة ساحرة وشعب أصيل ومضياف...مؤثرون:

الجزائر وجهة سياحية فريدة تستحق الاستكشاف

الجزائر وجهة سياحية فريدة تستحق الاستكشاف
  • 169
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

❊ السياحة بالجزائر تجربة إنسانية متكاملة

❊ انبهار عالمي بالموروث الجزائري المحلي

❊ مقاطع مصوَّرة تبرز التنوع الكبير في الطبيعة واللباس والأكل

❊ مؤثرون يكتشفون سرّ جمال الجزائر وأهلها

بدأ اسم الجزائر يتردد خلال السنتين الأخيرتين بقوة على منصات السفر العالمية، ومواقع التواصل الاجتماعي بعد سنوات طويلة ظلت فيها هذه الوجهة بعيدة نسبيا عن دوائر السياحة الدولية رغم ما تملكه من مقومات استثنائية. لكن اليوم تغير المشهد بشكل واضح؛ فمقاطع الفيديو التي ينشرها صناع المحتوى الأجانب من قلب الصحراء الجزائرية ومن شوارع العاصمة وقسنطينة ووهران وجبال القبائل، باتت تحصد ملايين المشاهدات، وتثير فضول متابعيهم لاكتشاف بلد ظل بالنسبة للكثيرين، لغزا جغرافيا وسياحيا لم يسبق لهم التعرف عليه عن قرب. وبينما تتنافس وجهات سياحية عديدة على استقطاب الزوار، استطاعت الجزائر أن تفرض نفسها بطريقة مختلفة، من خلال أصالتها، وطبيعتها البكر، وتنوعها الثقافي الهائل، الذي جعل الكثير من المؤثرين يصفونها بواحدة من أكثر البلدان التي فاجأتهم إيجابيا خلال رحلاتهم.

هذا الاهتمام المتزايد لم يأت من فراغ؛ فالجزائر التي تُعد أكبر دولة في إفريقيا، باتت تقدم للزائر عالما كاملا من المناظر والتجارب المختلفة؛ من شواطئ المتوسط الى جبال الأوراس والقبائل. ومن المدن التاريخية العريقة الى الصحراء الكبرى التي تُعد من أجمل صحاري العالم وأكثرها غموضا. فخلال الفترة الأخيرة ساهمت تسهيلات السفر الموجهة نحو مناطق الجنوب، الى جانب الانتشار الكبير لمحتوى السفر على المنصات الرقمية، في جذب عدد متزايد من المؤثرين والمدونين العالميين، الذين وجدوا في الجزائر مادة استثنائية لمتابعيهم، الباحثين عن وجهات جديدة، وغير تقليدية.

ومن بين أبرز الأسماء التي صنعت الحدث مؤخرا يبرز المؤثر الأمريكي الشهير "سبيد"، أو "اي شو سبيد"، الذي يتابع محتواه عشرات الملايين عبر العالم. فزيارته للجزائر تحولت الى حدث واسع الانتشار على مواقع التواصل، حيث نقل مباشرة لمتابعيه مشاهد من جانت والصحراء الجزائرية، ثم من شوارع العاصمة. وما لفت انتباه متابعيه لم يكن فقط جمال الكثبان الرملية والمناظر الطبيعية، بل حجم التفاعل الشعبي، والترحيب الذي حظي به في كل مكان زاره. وقد أظهر خلال بث مباشر له، انبهاره بالثقافة المحلية، والألبسة التقليدية، والأطباق الجزائرية، لا سيما الكسكسي، والبوراك، وغيرهما، والأجواء التي عاشها في الجنوب والشمال؛ ما منح الجزائر دعاية عالمية ضخمة لدى جمهور شاب يضم ملايين المتابعين.

كما عاد المدوّن الهولندي الشهير "ترافل تومتوم" الذي زار أكثر من 150 دولة حول العالم، الى الجزائر بعد تجربة أولى تركت لديه انطباعا قويا. وقال عن الصحراء الجزائرية بأنها من أفضل التجارب الصحراوية التي عاشها في حياته، مؤكدا أن الجزائر تجاوزت كل توقعاته، خاصة في جانت، والمناطق الصحراوية التي عدَّها من أكثر الأماكن إبهارا على وجه الأرض. ولم يكن تومتوم الوحيد الذي عبّر عن هذه الدهشة. فخلال الأشهر الماضية نشر عدد من صناع المحتوى العالميين، تقارير ومقاطع مصورة، تحدثوا فيها عن التنوع الكبير الذي تتمتع به الجزائر، وعن كونها بلدا يختلف تماما من منطقة الى أخرى، حتى إن بعضهم وصفها بعدة دول مجتمعة داخل حدود دولة واحدة، أو كما قال البعض: "الجزائر القارة".

التنوع الهائل في الثقافات

ومن بين الأمثلة اللافتة أيضا صانع المحتوى الأمريكي “نيك مادوك”، الذي قال بعد جولته في الجزائر إن أكثر ما فاجأه ليس الصحراء ولا المدن التاريخية فقط، بل التنوع الهائل في السكان، والثقافات، والمطابخ المحلية من منطقة لأخرى، معتبرا أن الجزائر تمنح الزائر تجارب متعددة في رحلة واحدة. كما صنف الرحالة العالميان “هدسون” و«إميلي” اللذان زارا ما يقارب جميع دول العالم، الجزائرَ ضمن وجهاتهما المفضلة. وهو أمر يعكس المكانة المتزايدة التي باتت تحظى بها البلاد لدى مجتمع السفر العالمي.

ميترو الجزائر يشد الأنظار

ومن أبرز الوجوه التي صنعت الحدث خلال الفترة الأخيرة، المؤثر السعودي خالد العليان، الذي خص الجزائر بزيارة واسعة، وثق تفاصيلها عبر حساباته التي يتابعها مئات الآلاف في العالم العربي، وخلال تنقُّله بين عدد من المدن والمناطق الجزائرية. ولم يُخف العليان دهشته مما شاهده على أرض الواقع، إذ حصدت إحدى الفيديوهات التي خصصها لمترو الجزائر، آلاف المشاهدات، معربا خلالها عن دهشته بالنظافة، والبنية التحتية المتقنة، واصفا إياه بأنظف ميترو في العالم.

كما تحدّث العليان في مقاطع عديدة عن جمال الطبيعة، وتنوع المشاهد بين الجبال والسواحل والمدن التاريخية. وأبدى إعجابه بالبنية التحتية، والطرق، والأنفاق الممتدة وسط التضاريس الجبلية. وقال إن الصورة التي كان يحملها عن الجزائر قبل الزيارة، تختلف كثيرا عما اكتشفه بنفسه. لكن أكثر ما توقف عنده كان كرم الجزائريين؛ إذ أكد في أكثر من مناسبة، أنه فوجئ بحجم الترحيب الذي لقيه في مختلف الأماكن التي زارها. وقال بأن الكثير من الجزائريين رفضوا أن يدفع مقابل بعض الخدمات أو الوجبات التي قُدمت له؛ في مشهد قال عنه نادر الحدوث حتى بالنسبة لشخص سافر الى بلدان عديدة.

وخلال جولاته الليلية في العاصمة ومناطق أخرى، تحدّث عن دفء التعامل، والعفوية التي ميزت لقاءاته مع الناس، مؤكدا أن الجزائر ليست مجرد وجهة سياحية جميلة، بل تجربة إنسانية متكاملة. ورغم أنه غادر الجزائر قبل استكمال برنامجه لأسباب قال إنها تتعلق بظروف خاصة، إلا أنه وعد متابعيه بالعودة مجددا في زيارة أطول، مؤكدا بعبارة صريحة: “حتى وإن غادرتَ الجزائر فالجزائر لن تغادرك “…

كما برزت خلال العامين الماضيين رحلات المغامرين وعشاق الدراجات النارية، الذين اختاروا الجزائر كوجهة استكشاف، فقد جذبت فعاليات وملتقيات الدراجات النارية الدولية، العديد من المشاركين الأجانب، واحدة منها جرت فعاليتها قبل أسابيع قليلة. مشاركوها عبّروا خلال زيارتهم عن انبهارهم بالطرق الطويلة الممتدة بين البحر والصحراء، وبالمساحات الشاسعة التي تمنح شعورا فريدا بالحرية، والمغامرة. 

ومن بين هذه التجارب رحلة المؤثرة الفرنسية “كونستانس” المتخصصة في السفر بالدراجات النارية، والتي وثقت رحلتها عبر عدة ولايات جزائرية وصولا الى أعماق الصحراء، حيث أكدت في مقاطعها المصورة، أن الجزائر كانت من أكثر الدول إثارة بالنسبة لها، سواء من حيث المناظر الطبيعية، أو من حيث التعامل اليومي مع السكان، الذين سارعوا لمساعدتها، والترحيب بها في مختلف المناطق التي مرت بها. كما شهدت جولات وملتقيات الدراجات والرحلات الإعلامية المنظمة خلال سنة 2025، مشاركة صحفيين ومغامرين من عدة دول، عادوا بانطباعات إيجابية حول الأمن، والطبيعة، وحسن الاستقبال.

وإذا كان هناك عنصر مشترك يتكرر في معظم شهادات المؤثرين والزوار الأجانب، فهو الحديث المستمر عن كرم الجزائريين، وضيافتهم، فكثير من هؤلاء دخلوا الجزائر وهم يحملون صورا نمطية أو معلومات قليلة جدا عن البلد، لكنهم غادروها وهم يتحدثون عن شعب جعل من الضيافة عنوانا يوميا للحياة، ففي عشرات المقاطع والتدوينات التي انتشرت خلال الفترة الأخيرة، تحدّث زوار أجانب عن دعوات مفاجئة لتناول الطعام داخل بيوت العائلات، وعن أشخاص عرضوا عليهم المساعدة دون انتظار أي مقابل، وعن سكان مدن وقرى أصروا على تقديم الشاي، والقهوة، والوجبات التقليدية للضيوف، بل وأثارت لدى البعض الآخر دهشة حول مدى ثقة التجار في معاملاتهم وعدم النصب أو الاحتيال على السائح، أو حتى شفافيتهم في إعطاء السعر، وعدم استغلال فرصة كون الأجنبي لا يدرك الثمن، فبعض المؤثرين أكدوا أنهم شعروا وكأنهم بين أفراد عائلاتهم وليسوا في بلد غريب. وآخرون قالوا إن أكثر ما سيبقى في ذاكرتهم ليس المناظر الطبيعية فقط، بل الوجوه المبتسمة، والناس الذين كانوا يتوقفون للسؤال إن كانوا بحاجة الى مساعدة.

تلك الصورة تكررت في شهادات رحالة من أوروبا وأمريكا وآسيا، وتكررت أيضا في تجارب مسافرين مستقلين، نشروا انطباعاتهم على منصات السفر العالمية. وقال كثير منهم عن الجزائريين من أكثر الشعوب ترحيبا بالزوار في العالم. كما أبدى عدد كبير منهم إعجابهم بالمطبخ الجزائري من الكسكسي والشخشوخة الى الأطباق الصحراوية التقليدية، والحلويات المحلية، معتبرين أن تنوع الأكل يعكس تنوع المجتمع والثقافات داخل البلاد.

الأمن والأمان في الملاعب صورة حضارية

وسط هذا التحول السياحي المتزايد تبدو الجزائر اليوم وكأنها تكتشف مكانتها الحقيقية على الخريطة العالمية للسفر. فبعد سنوات كانت فيها وجهة مجهولة نسبيا للكثير من الأجانب، أصبحت اليوم محط اهتمام متزايد من قبل الرحالة، وصناع المحتوى الباحثين عن الأصالة والتجارب المختلفة، ساهم في التعريف بها الأمن والأمان، ومباريات كرة القدم التي سلطت الضوء على الجزائر والجزائريين ليس كفريق كروي فقط وإنما كدولة طالما ظلت على جنب في انتظار الكشف عن سحرها. فبين ملايين المشاهدات التي تحققها مقاطع السفر القادمة من الجزائر، تتشكل صورة جديدة للبلد في أذهان العالم؛ صورة تقوم على الجمال الطبيعي، والتنوع الثقافي، والأمن، والكرم الإنساني.

وفي حديث “المساء” مع المرشد السياحي رمضان مصدق، أكد أن ما يحدث اليوم ليس مجرد موجة عابرة على مواقع التواصل، بل نتيجة مباشرة لانبهار الزوار بما يجدونه على أرض الواقع. وقال إن أغلب السياح الذين يرافقهم يأتون وهم يتوقعون رؤية الصحراء فقط، لكنهم يكتشفون بلدا أكبر بكثير مما كانوا يتخيلون، بلدا يجمع البحر والجبال والمدن التاريخية والواحات والعادات المتنوعة، في مساحة واحدة. وأضاف أن أكثر ما يلفت انتباه الزوار هو الشعور بالأمان، وحفاوة الاستقبال، حيث يغادر الكثير منهم وهم يحملون ذكريات عن أشخاص التقوا بهم أكثر مما يحملون صورا للأماكن التي زاروها.

ويرى رمضان أن الجزائر تعيش اليوم فرصة تاريخية حقيقية لتثبيت مكانتها كواحدة من أهم الوجهات السياحية الصاعدة في المنطقة، خاصة مع استمرار المؤثرين والرحالة في نقل تجاربهم الإيجابية الى ملايين المتابعين حول العالم؛ الأمر الذي جعل اسم الجزائر يتردد أكثر من أي وقت مضى، بين عشاق السفر والمغامرة واكتشاف الوجهات الاستثنائية.