سباق الركض الحضري بالعاصمة يستقطب العائلات

القرية الرياضية بـ’’الصابلات".. الوجه الممتع للرياضة بأنواعها

القرية الرياضية بـ’’الصابلات".. الوجه الممتع للرياضة بأنواعها
  • 160
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

في كل مرة تلتقي فيها الرياضة بالثقافة والترفيه، يتحول المكان الى فضاء نابض بالحياة، يجمع مختلف فئات المجتمع حول هدف واحد، وهو نشر ثقافة النشاط البدني، وتعزيز روح المشاركة، واكتشاف جمال المدينة بطريقة مختلفة. ولم تعد التظاهرات الرياضية تقتصر على المنافسات فقط، بل أصبحت مناسبات تفتح المجال أمام العائلات والشباب والأطفال للاستمتاع بأجواء مميزة، تجمع بين الترفيه والتعلم واكتشاف رياضات جديدة، في صورة تعكس الوجه الحضاري للعاصمة، وتبرز قدرتها على احتضان فعاليات كبرى تستقطب الجميع.

وفي هذا الإطار، احتضنت "مارينا الصابلات" بالجزائر العاصمة من 23 الى 25 جوان الجاري، قرية رياضية وثقافية كبيرة نظمتها رابطة التزحلق والرياضات الجبلية لولاية الجزائر، تحت رعاية وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية وولاية الجزائر، لتكون المحطة التمهيدية لإطلاق الطبعة الثالثة من سباق الركض الحضري للجزائر العاصمة الذي أقيم يوم 26 جوان بمشاركة آلاف العدائين من مختلف الولايات، شارك فيه حتى الأجانب، إذ تحوَّل متنزه الصابلات على مدار ثلاثة أيام كاملة، الى فضاء مفتوح استقبل العائلات والشباب والرياضيين والزوار، في أجواء امتزج فيها النشاط الرياضي بالترفيه والثقافة والسياحة.

قرية مفتوحة للجميع في قلب "الصابلات"

منذ الساعات الأولى لافتتاح القرية، شهدت "مارينا الصابلات" حركة كبيرة للزوار، الذين توافدوا لاكتشاف مختلف الفضاءات والأنشطة المبرمجة، فقد حرص المنظمون على توفير برنامج متنوع يمتد يوميا من الساعة الثالثة بعد الزوال الى غاية التاسعة ليلا، بما يسمح للعائلات بقضاء أوقات ممتعة بعد تراجع درجات حرارة الجو في يوم صيفي، وسط تنظيم محكم، وأجواء مريحة اتسمت بالحيوية والحركة، رسم أجواءها أطفال وشباب وعائلات، شاركت نفس المتعة والحماس. وكانت القرية أكثر من مجرد محطة تسبق السباق، إذ تحولت الى ملتقى رياضي وثقافي وترفيهي، جمع بين مختلف الفئات العمرية، وفتح المجال أمام الجميع لاكتشاف رياضات جديدة، وللمشاركة في أنشطة تفاعلية بعيدا عن الطابع التقليدي للتظاهرات الرياضية، التي قد يشارك فيها فقط المحترفون.

وخصصت القرية فضاءات واسعة لمجموعة من الأنشطة الرياضية التي لاقت إقبالا كبيرا من الزوار من مختلف الولايات؛ نظرا لتزامن التظاهرة والعطلة الصيفية، وافتتاح موسم الاصطياف، حيث تمكن الحاضرون من تجربة رياضات بحرية مثل الكاياك والتجديف والقوارب المائية، الى جانب فضاءات خاصة بجدار التسلق، الذي استقطب الشباب ومحبي المغامرة. كما كانت هناك مساحات مخصصة لكرة السلة، وتنس الطاولة، وألعاب الشاطئ، إضافة الى مسابقات رياضية متنوعة، سمحت للمشاركين باختبار قدراتهم في أجواء يغلب عليها التنافس الشريف، وروح المرح والمتعة. ولم تقتصر هذه الأنشطة على الرياضيين فقط، بل صُممت بطريقة تسمح لكل أفراد العائلة بالمشاركة، سواء من خلال التجربة المباشرة، أو المتابعة والتشجيع، وهو ما منح القرية حيوية خاصة، وجعلها فضاء يجمع بين الرياضة والترفيه في وقت واحد.

الأنشطة البحرية متعة اتفق  على حبها الجميع..

احتلت الأنشطة البحرية مكانة مميزة داخل القرية الرياضية والثقافية، وكانت أكثرها استقطابا للزوار، حيث وفرت فرصة خوض تجارب مختلفة على الواجهة البحرية للصابلات في أجواء مليئة بالحيوية والمتعة، فقد استقطبت رياضة التجديف اهتمام عدد كبير من الشباب ومحبي المغامرة؛ لما تمنحه من إحساس بالانسجام مع الطبيعة، خصوصا مع حرارة الجو، والرغبة في الانتعاش بمياه البحر. كما تعزز في نفس الوقت روح التعاون، والتركيز، وقوة التحمل. وشكلت القوارب المائية، من جهة أخرى، مساحة للترفيه العائلي، حيث استمتع الأطفال والكبار بجولات هادئة وسط البحر؛ في مشاهد أضفت على المكان حركية، وجمالا فريدا. ولم يختلف الأمر بالنسبة للإبحار الشراعي الذي لفت الأنظار؛ باعتباره من الرياضات البحرية التي تجمع بين المهارة والدقة وحسن التحكم في اتجاه الرياح. وهي تجربة مميزة، أتاحت للكثيرين التعرف عن قرب، على واحدة من أجمل الرياضات البحرية.

أما ألعاب الشاطئ التي كانت حاضرة بقوة، فحوّلت المساحات الرملية الى فضاءات للمرح، واللعب، والتنافس الودي بين العائلات والأصدقاء، وهو ما خلق أجواء احتفالية مميزة، امتزج فيها الضحك بالحركة والنشاط. وهدفت هذه الأنشطة الى تشجيع المواطنين على الإقبال على الرياضات البحرية، والتعريف بفوائدها الصحية والنفسية من خلال الانخراط في النوادي المتواجدة بالعاصمة وضواحيها؛ إذ نسبة كبيرة من المواطنين كانوا يجهلون وجودها أساسا. وأكد القائمون عليها في حديثهم مع "المساء"، أنها تساهم في تنشيط الدورة الدموية، وتقوية عضلات الجسم، وتحسين التوازن، واللياقة البدنية. كما تساعد على التخلص من التوتر والضغط اليومي، وتعزز الشعور بالراحة والاسترخاء، إضافة إلى ترسيخ ثقافة استغلال الفضاءات البحرية في ممارسة الرياضة والترفيه بشكل آمن ومنظم. وهو ما يعكس حرص المنظمين على تقديم برنامج متكامل، يجمع بين المتعة والفائدة، ويبرز الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها الواجهة البحرية للعاصمة.

فضاء ثقافي وترفيهي ينعش الأجواء

الى جانب الأنشطة الرياضية، خصص المنظمون مساحة مهمة للجانب الثقافي والفني، حيث احتضنت القرية ورشات فنية، وأنشطة إبداعية موجهة للأطفال والشباب. كما عرفت تنظيم عروض فنية وترفيهية، ساهمت في تنشيط الأجواء طوال أيام التظاهرة. وشكلت ألعاب الأطفال التقليدية والحديثة نقطة جذب للعائلات، حيث وجد الصغار فضاءات آمنة للعب والاستمتاع، في حين استمتع الكبار بمشاهدة العروض والمشاركة في عدد من الأنشطة الجماعية. كما زينت الطائرات القماشية سماء الصابلات. وأضفت على المكان مشهدا جميلا، عكس الأجواء الاحتفالية التي عاشتها القرية. وتم حينها تنظيم عدد من الألعاب الفكرية؛ على غرار الشطرنج الضخم، الذي جمع الكبير والصغير لتكون فرصة لتجربة القدرات في هذه اللعبة العالمية. كما كانت فرصة للبعض لاكتشاف أساليب اللعب، وقواعده على يد محترفين نشطوا اللعبة، وقدّموا شروحات للمشاركين.

الترفيه بوابة لنشر الثقافة الصحية..

لم يكن الهدف من هذه الأنشطة الترفيه فقط، حسب القائمين على التظاهرة؛ إذ أجمع عدد منهم خصوصا الرياضيين، على أن هذه القرية حملت رسائل صحية وتوعوية واضحة، تدعو الى اعتماد الرياضة كأسلوب حياة يومي، من خلال إتاحة الفرصة أمام الجميع، لتجربة رياضات مختلفة، واختيار ما يروق منها، حيث سعى المنظمون الى تشجيع المواطنين على ممارسة النشاط البدني، وإبراز أهميته في المحافظة على الصحة الجسدية والنفسية، خاصة لدى فئة الشباب والأطفال، لا سيما بعد ملاحظة إقبال أكثر على ممارسة الرياضة من طرف جيل اليوم مقارنة بأجيال سابقة، كانت تنحصر فيها ممارسة الرياضة على المحترفين فقط.

وساهمت هذه الفضاءات ـ حسبما لمست "المساء" في حديثها إلى عدد من المشاركين في تلك الألعاب والرياضات ـ في ترسيخ قيم التعاون، والعمل الجماعي، وروح التحدي. وأظهرت أن الرياضة يمكن أن تكون وسيلة فعالة للتقارب بين أفراد المجتمع بعيدا عن المنافسة فقط، لتصبح مناسبة للالتقاء، وتبادل التجارب، وقضاء أوقات مفيدة، وحتى ربما لقاء وتكوين صداقات جديدة.

محطة تمهيدية لانطلاق الطبعة الثالثة من سباق الركض الحضري

جاء تنظيم القرية الرياضية والثقافية كمرحلة أساسية سبقت انطلاق الطبعة الثالثة من سباق الركض الحضري للجزائر العاصمة، الذي عرف مشاركة قياسية بلغت نحو عشرة آلاف عدّاء وعداءة. وهو ما يعكس النجاح المتزايد الذي تحققه هذه التظاهرة سنة بعد أخرى، إذ أكد المشاركون أنه رقم قياسي مقارنة بالطبعات السابقة، حيث ساهمت الأنشطة المبرمجة في خلق حماس كبير بين المشاركين والجمهور قبل أن يحين موعد السباق، إذ تحولت القرية الى نقطة لقاء تجمع العدائين والمتطوعين والمنظمين والشركاء والزوار. كما شكلت فضاء للتعريف بالحدث، وتشجيع المواطنين على المشاركة، ومواكبة السباق الذي يُعد من أبرز المواعيد الرياضية في العاصمة.

الترويج للعاصمة والسياحة المحلية

حملت هذه المبادرة بعدا يتجاوز الجانب الرياضي؛ إذ كانت فرصة حقيقية للتعريف بالعاصمة، والترويج لمختلف معالمها التاريخية والسياحية والثقافية، فالركض الحضري منح المشاركين فرصة لاكتشاف الجزائر العاصمة بطريقة مختلفة، من خلال المرور بعدد من المواقع والأحياء التي تختزل تاريخ المدينة، وجمالها، بداية من مارينا الصابلات، وصولا الى مقام الشهيد، مرورا بشوارع وساحات تُعد من أهم معالم العاصمة؛ كالقصبة؛ واحدة من أهم المعالم التاريخية والتراثية بالعاصمة. كما يساهم هذا النوع من التظاهرات في تشجيع السياحة المحلية، وإبراز الإمكانات التي تزخر بها الجزائر العاصمة، سواء من حيث الفضاءات الطبيعية أو الواجهة البحرية، أو المواقع التاريخية، بما يعزز صورتها كوجهة قادرة على احتضان كبرى الفعاليات الرياضية، والسياحية والثقافية.

وقد نجحت قرية الصابلات في تقديم نموذج مميز لتظاهرة تجمع بين الرياضة والثقافة والترفيه في فضاء واحد، حيث استطاعت خلال ثلاثة أيام، أن تستقطب عددا كبيرا من الزوار، الذين وجدوا فيها فرصة للاستمتاع، والمشاركة، واكتشاف أنشطة جديدة في أجواء عائلية مميزة؛ إذ لم تكن هذه القرية مجرد محطة تسبق سباق الركض الحضري، بل شكلت حدثا قائما بحد ذاته، حمل رسالة واضحة، مفادها أن الرياضة قد تكون وسيلة للتقارب بين أفراد المجتمع، ومحركا للسياحة المحلية، وفضاء لنشر ثقافة الصحة والنشاط؛ في صورة تعكس ديناميكية الجزائر العاصمة، وقدرتها على تنظيم تظاهرات نوعية تجمع بين المتعة والفائدة، وتمنح المدينةَ إشعاعاً رياضيا وسياحيا يليق بمكانتها.