كريمات الوقاية من الشمس
.. بين الضرورة الصحية والمغالطات التسويقية
- 181
نور الهدى بوطيبة
مع كل صيف، تعود كريمات الوقاية من الشمس إلى واجهات الصيدليات ومحلات التجميل، وتعود معها موجة النصائح والإعلانات والعروض التي تغزو مواقع التواصل الاجتماعي. غير أن السؤال الذي يُطرح كل عام، لم يعد يقتصر على ضرورة استعمالها، بل امتد ليشمل أسعارها التي تعرف تفاوتا كبيرا، وطريقة اختيارها، والفئات التي لا تزال تعزف عن استخدامها. ففي الوقت الذي أصبحت بعض العبوات تُباع بأسعار تتجاوز عشرة آلاف دينار، ما يزال الكثيرون يعتبرون واقي الشمس مجرد منتج تجميلي يخص النساء، أو وسيلة للحفاظ على لون البشرة فقط، في حين تؤكد المعطيات العلمية، أن دوره يتجاوز ذلك بكثير، لأنه يعد وسيلة وقاية صحية، قبل أن يكون منتجًا للعناية بالبشرة.
بين ثقافة استهلاك تصنعها الإعلانات، وأفكار اجتماعية متوارثة، تقلل من أهمية الوقاية لدى الرجال، يبقى المواطن في حيرة بين منتج مرتفع الثمن، وآخر أقل تكلفة، وبين نصائح متناقضة تنتشر عبر الأنترنت. وعليه، كان من الضروري العودة إلى الرأي العلمي، لفهم حقيقة هذه المنتجات، وهل السعر المرتفع يعني حماية أفضل، ولماذا لا يزال الوعي باستعمال الواقي الشمسي محدودًا لدى فئات واسعة من المجتمع، خاصة الرجال.
وكان لـ"المساء"، حديث مع الصيدلاني كنزي عامر ببلدية باب الزوار، الذي قدم توضيحات مبنية على المعطيات الطبية الحديثة. حيث أكد أن أول فكرة يجب تصحيحها، هي الاعتقاد بأن كريم الوقاية من الشمس مخصص للنساء فقط، فأشعة الشمس لا تفرق بين رجل وامرأة، كما أن مخاطر الأشعة فوق البنفسجية تطول الجميع، خاصة أصحاب البشرة الفاتحة، والأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة خارج المنازل، أو يعملون تحت أشعة قوية وظروف قاسية في فصل الصيف، سواء كانوا عمالًا في الورشات، أو رجال أمن، أو سائقين، أو رياضيين.
وأضاف الصيدلاني، أن عزوف الكثير من الرجال عن استعمال واقي الشمس، يعود في جزء كبير منه، إلى ثقافة اجتماعية تعتبر العناية بالبشرة سلوكًا نسائيًا، رغم أن الوقاية من الشمس تدخل في إطار الحفاظ على الصحة وليس التجميل. وأشار إلى أن الاعتقاد بأن الهدف الوحيد من الواقي، هو منع اسمرار البشرة، غير صحيح، لأن وظيفته الأساسية هي الحد من تأثير الأشعة فوق البنفسجية على الجلد، وهي أشعة تؤدي مع مرور الوقت، إلى حروق الشمس، وتسريع ظهور التجاعيد، وظهور بقع جلدية، كما ترفع من احتمال الإصابة ببعض أنواع سرطانات الجلد، خاصة لدى الأشخاص الأكثر عرضة للأشعة.
وعن الأسعار التي تتراوح بين نحو 1200 دينار، وقد تصل إلى 10 آلاف دينار لبعض العلامات العالمية، أوضح أن السعر لا يعكس دائمًا مستوى الحماية، فالعامل الأهم هو اختيار منتج يوفر حماية واسعة ضد الأشعة فوق البنفسجية بنوعيها، وأن يكون معامل الحماية مناسبًا، وغالبًا ما يُنصح بدرجة 30 أو 50، حسب طبيعة البشرة وظروف التعرض للشمس. أما ارتفاع السعر فيرتبط أحيانًا بجودة الملمس، وسهولة الامتصاص، ومقاومة الماء، وإضافة مكونات مرطبة أو مهدئة للبشرة، أو بقيمة العلامة التجارية نفسها، وليس بالضرورة بقدرة أكبر على الحماية.
وأضاف عامر، أن كثيرًا من المستهلكين يقعون تحت تأثير التسويق، فيربطون بين السعر المرتفع والفعالية، بينما قد يقدم منتج أقل سعرًا، حماية مماثلة، إذا كان مطابقًا للمعايير الصحية ويحمل المواصفات المطلوبة. لذلك، ينصح بعدم اختيار الواقي، بناءً على شهرته في مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما يروجه المؤثرون، لأنه دعم إشهاري بمقابل، وإنما يجب اختياره بناءً على مكوناته وملاءمته لنوع البشرة، ويفضل استشارة الصيدلاني عند التردد.
ومن السلوكات التي يلاحظها الصيادلة أيضًا، تركيز معظم الأشخاص على وضع الواقي على الوجه فقط، مع إهمال مناطق أخرى تتعرض للشمس بشكل يومي، مثل الرقبة، والأذنين، واليدين، وأحيانًا أعلى القدمين. وهي مناطق قد تظهر عليها علامات التقدم في السن والأضرار الناتجة عن الشمس بشكل واضح، لذلك يشدد المختص على أن الحماية يجب أن تشمل جميع المناطق المكشوفة، مع إعادة وضع الواقي عند التعرض الطويل للشمس، خاصة بعد السباحة أو التعرق الشديد.
ويختم الصيدلاني كنزي عامر حديثه، بالتشديد على أن نشر ثقافة الوقاية من الشمس، يجب أن يخرج من دائرة الموضة والمنتجات الفاخرة، ليصبح جزءًا من السلوك الصحي اليومي، فالواقي الشمسي ليس رفاهية ولا منتجًا تجميليًا، بل وسيلة بسيطة تساعد على حماية الجلد من أضرار مثبتة علميًا، والوعي يكون بالابتعاد عن المبالغات التسويقية والأفكار الاجتماعية الخاطئة.