التربية بين التكنولوجيا والقيم

تحديات تهدد شخصية طفل الغد

تحديات تهدد شخصية طفل الغد
  • 208
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

تشهد أساليب تربية الأطفال، خلال السنوات الأخيرة، بين آباء اليوم، تحولات كبيرة، نتيجة التطور التكنولوجي وانتشار المعلومات عبر الأنترنت، إذ أصبح العديد من الأولياء يعتمدون على الأجهزة الذكية والتطبيقات التعليمية، ويبحثون عن طرق حديثة، لتقوية قدرات أطفالهم وتنمية مهاراتهم منذ الصغر، وتعلم أساليب جديدة وتلقينها للطفل في الحياة، هذه التغيرات أثارت الكثير من التساؤلات، حول مدى فعالية التربية الحديثة مقارنة بأساليب الأمس، وما طبيعة تأثيرها على سلوك الطفل.

من أبرز هذه الأساليب الحديثة، الاعتماد على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية في تعليم الطفل المهارات اللغوية والرياضية، والاعتماد على تطبيقات خبراء تنمية بشرية وخبراء نفسانيين وتربية وغيرها، ومن التخصصات التي لها صلة بتربية الطفل أو تطوير مهاراته، الاعتماد على الألعاب التفاعلية، لتعليمه القيم الاجتماعية أو السيطرة على انفعالاته أو أحاسيسها وتأطيرها، كما يلجأ بعض الآباء إلى مشاهدة محتوى تربوي عبر الأنترنت، قبل اتخاذ قرارات حول كيفية التعامل مع مواقف الطفل اليومية، في محاولة لتجنب الأخطاء الشائعة في التربية.

مع ذلك، يظل التساؤل حول ما إذا كانت هذه الأساليب تضمن نفس النتائج، التي كانت توفرها التربية التقليدية، والتي اعتمدت على التواصل المباشر والحوار المستمر بين الوالدين والطفل، واعتمادا على تجارب الآباء والأجداد فقط، بل وكان الجميع من كبار العائلة، يشارك في تلك التربية، حتى كبار الحي من الجيران وغيرهم، إلا انها اليوم تنحصر على الأبوين اللذين يبحثان عن سبل جديدة، تواكب تغيرات العصر، حتى تتماشى مع تفكيرهم، خصوصا وأن الطفل في عصرنا الحالي، ينشأ في بيئة غنية بالمحفزات الرقمية، وهذا يختلف عن بيئة الأمس، التي كانت أقل تعقيدا وأكثر اعتمادا على التفاعل البشري المباشر، حسبما أكده عدد من الآباء في حديثهم لـ"المساء”.

حول هذا الموضوع، تحدث أحمد بوسنة، خبير نفساني لـ"المساء” قائلا: “إن أساليب التربية الحديثة تحمل مزايا كبيرة، لكنها لا تخلو من تحديات، يعيشها الكثير من الآباء، إذا ما أسيء استعمال تلك الأساليب أو إسقاطها على ذهنيات المجتمع”، موضحا أن استخدام التكنولوجيا والألعاب التعليمية، يمكن أن يساعد الطفل على تطوير مهاراته الذهنية بسرعة، ويمنحه فرص التفكير النقدي وحل المشكلات، لكنه يحذر من أن الاعتماد المفرط على الأجهزة، قد يؤدي إلى ضعف التواصل العاطفي بين الطفل ووالديه، ويزيد من احتمال انطوائه أو شعوره بالانعزال الاجتماعي، وأضاف أن التوازن بين التقنيات الحديثة واللقاءات المباشرة والتواصل العائلي، هو مفتاح نجاح التربية الحديثة، وأن الطفل يحتاج إلى الحد من الوقت أمام الشاشات، والتمتع بتجارب واقعية تلهمه وتنمي شخصيته.

أكد المتحدث أن التربية الحديثة، إذا لم ترافقها مراقبة نفسية دقيقة، قد تؤدي إلى زيادة مستوى القلق أو التوتر لدى الطفل، والآباء على السواء، لأن البعض منها يتخلله الضغط في محاولة إنجاح التجربة، خصوصا إذا شعر أحد الطرفين بأنه مضطر لتحقيق نتائج سريعة، أو تقليد سلوكيات رقمية لا تتناسب والواقع، ويؤكد أن دور الأهل ليس فقط توفير أدوات تعليمية حديثة، بل متابعتها ومناقشة محتواها مع الطفل، والاستماع إلى مخاوفه ومشاعره، فهذا النوع من الدعم العاطفي يضمن أن تصبح التكنولوجيا وسيلة تعليمية، وليس مصدر ضغط نفسي.

من جانبها، تشير جميلة فرنان، مختصة اجتماعية في الشؤون الأسرية، إلى أن المجتمع أيضا، يلعب دورا مهما في تشكيل شخصية الطفل، وأن التربية الحديثة يجب أن تراعي التأثيرات الاجتماعية والثقافية المحيطة بالطفل، وتقول إن للآباء اليوم، وصول أكبر إلى المعلومات، وهذا يسمح لهم بتبني أساليب أكثر علمية ومنهجية في التربية، لكنها تحتاج إلى وعي عميق بكيفية تطبيقها، وتضيف أن التربية الحديثة تختلف عن تربية الأمس، في كونها أكثر تنوعا ومرونة، لكنها لا يمكن أن تحل محل القيم الأساسية، التي كانت تغرس عبر المراقبة المباشرة والممارسة اليومية، مثل الاحترام والصبر والانضباط الشخصي.

تضيف فرنان قائلة: “من المهم أن نفهم أن الطفل لا يعيش في فراغ، بل يتأثر بشكل كبير بالبيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها، سواء كانت الأسرة، المدرسة، أو المجتمع المحيط به، فالتربية الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا وحدها، لا تكفي، بل يجب أن ترافقها أنشطة جماعية، وتفاعل وتعليم قيم التعاون والمشاركة، مشددة على أن الانخراط في المجتمع، حتى في نشاطات بسيطة، مثل الألعاب الجماعية أو المناسبات المحلية، يعزز من مهارات التواصل الاجتماعي للطفل، ويقلل من شعوره بالعزلة، وهي أشياء كانت أكثر طبيعية في تربية الأمس، حيث كانت الأسرة والجيران يشاركون بشكل أكبر في نمو الطفل.