ظاهرة تثير القلق في المجتمع
تربية الكلاب... بين هوس الاستعراض ومنطق التجارة
- 134
كمال لحياني
شهد المجتمع الجزائري خلال السنوات الأخيرة، تحولا لافتا في ظاهرة تربية الكلاب؛ إذ لم تعد تقتصر على وظيفتها التقليدية كحيوان حراسة، بل تجاوزت ذلك لتتحول إلى ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد؛ فقد أصبحت هذه الكلاب وخاصة السلالات المفترسة أداة للتباهي والاستعراض، ووسيلة لإظهار القوة في أوساط بعض الشباب، بل وصل الأمر إلى استخدامها من قبل العصابات الإجرامية في عمليات التهديد والسطو.
أسماء مثل “بيتبول”، “روت فايلر”، “دوبرمان”، “بول تيرير”، و"بول ماسين” ، لم تعد مجرد مصطلحات أجنبية، بل أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في المدن الجزائرية الكبرى.
هذه السلالات المعروفة بشراستها وقوّتها البدنية الهائلة، باتت مطلوبة لأغراض متباينة؛ فمنها ما يُقتنى للحراسة بعد تزايد عمليات السطو، ومنها ما يُستخدم للزينة، والتباهي، ومنها ما يتحول إلى أداة ترويع في أيدي الخارجين عن القانون.
المتجول في شوارع الولايات الجزائرية يلاحظ مشهدا أصبح مألوفا؛ شاب أو فتاة يرافقه كلب ضخم في اتجاه المحلات التجارية أو الأسواق، غيرَ عابئين بالخوف والقلق الذي يزرعونه في نفوس المارة، خاصة الأطفال، وكبار السن.
ضحايا ومآسٍ حقيقية
لم تعد مخاطر هذه الظاهرة مجرد تخوفات نظرية، بل تحولت إلى واقع مأساوي!. يحكي جمال ـ وهو فلاح في منطقة أحمر العين ـ كيف تعرّض لهجوم شرس من كلب انفلت من صاحبه؛ ما استدعى نقله إلى المستشفى بعد إصابات متفاوتة الخطورة في مختلف أنحاء جسده!.
أما بلقاسم سوسي فيصف حالة الإحراج التي يعيشها يوميا قائلا: “كثير من زبائني يأتون برفقة كلابهم، فأرى الخوف والاشمئزاز على وجوه الزبائن الآخرين؛ ما دفعني لتعليق لافتة تمنع هذه التصرفات”.
وتشير تقارير المستشفيات إلى تسجيل حالات وفاة نتيجة هجمات كلاب مفترسة. ومن أبرزها الحادثة المأساوية التي شهدتها منطقة أولاد حميدان بولاية تيبازة، حيث التهمت كلاب مفترسة طفلاً في الثامنة من عمره.
أبعاد نفسية وصحية خطيرة
يحذّر الطبيب محمد بلونجة، من الانعكاسات النفسية العميقة لهذه الظاهرة على الأطفال، موضحا أن “التخويف المستمر في الشارع والحي قد يؤدي إلى تسجيل حالات الإصابة بداء السكري خاصة لدى الأطفال المعرضين وراثياً؛ إذ يساهم التوتر والرعب في الإسراع بظهور هذا الداء”.
من جانبه، يؤكد نور الدين بودومة مفتش رئيسي متقاعد في الصحة العمومية والنظافة، أن “القوانين والمراسيم المنظمة لتربية هذه الحيوانات، موجودة، لكنها تحتاج إلى تحيين، وتفعيل”، مشددا على “ضرورة التنسيق بين مختلف السلطات المعنية لضبطها، وتنظيمها؛ باعتبار أن هذه الحيوانات أصبحت تشكل خطرا كبيرا على الصحة العمومية”.
تربية الكلاب... مهنة مربحة للبعض
في خضم هذه الظاهرة وجد بعض الشباب فرصة لتحويل شغفهم بتربية الكلاب، إلى مصدر رزق مربح.
علي بشار الذي يعشق تربية الكلاب منذ الصغر، استغل خبرته ليؤسس مزرعة في منطقة براقي بالعاصمة، يستقبل فيها يوميا، طلبات على كلاب من مختلف الأنواع.
ويصف بشار عمله قائلا: “هذا العمل متعب جدا؛ فتربية نوع خاص تتطلب جهداً واعتناءً خاصا، ناهيك عن المتطلبات الغذائية، والمتابعة الصحية، إضافة إلى تعرضي للعضّ من حين لآخر؛ بسبب الهجمات المباغتة”. ويضيف أنه يستقبل يوميا، كلابا لتدريبها من طرف عائلات لا تملك خبرة في التعامل معها، مع تقديم دروس نظرية وتطبيقية”، محققا أرباحا تتراوح بين 1000 و2000 دينار للحصة الواحدة.
وعلى غراره، استطاع محرز بن شلابي تحويل تدريب الكلاب إلى مهنة رئيسية في منطقة الدويرة بالعاصمة، مستغلا خبرته في تدريب الكلاب العسكرية منذ 2005. ويعتمد بن شلابي على “نقل الكلاب إلى الغابة المجاورة؛ لمنحها فرصة التدرب في فضاء مفتوح” . ويتقاضى مبلغا يتراوح بين 20 ألفا و30 ألف دينار للكلب الواحد، لمدة تدريب تتجاوز 20 يوما.
التقليد الأعمى... جذور الظاهرة
يرى الدكتور حليم مصطفي المختص في علم الاجتماع من جامعة خميس مليانة، أن “التقليد الأعمى لسلوكات الغرب جعل من تربية الكلاب الخطيرة تتحول إلى موضة، ومحاولة للتعبير عن الانتماء لطبقة غنية من المجتمع” . ويضيف أن “جهل كثير من الجزائريين بالأحكام الشرعية لتربية الكلاب - خاصة أن الملائكة لا تدخل البيوت التي تتواجد فيها الكلاب - يزيد من تعقيد الظاهرة”.
ويشير حطابي إلى أن “الظاهرة تبقى، رغم انتشارها، تلقى رفضا اجتماعيا واسعا”، داعيا إلى “سن قوانين وأطر تضبط هذا النوع من النشاط”.
نحو حلول عملية
تتطلب معالجة هذه الظاهرة مقاربة شاملة تجمع بين الجوانب القانونية والصحية والاجتماعية والثقافية. فمن الضروري، حسب الكثير من المختصين، تفعيل القوانين الموجودة، وتحيينها لتواكب تطورات الظاهرة، مع فرض عقوبات رادعة على المخالفين، وتوعية المواطنين بمخاطر تربية السلالات الخطيرة، وبالأحكام الشرعية والاجتماعية المنظمة لها، إضافة الى تنظيم نشاط تربية الكلاب بشكل قانوني، يراعي السلامة العامة، مع إلزام المربين بشروط صارمة، ناهيك عن تكثيف الرقابة على الأماكن العامة، ومنع اصطحاب الكلاب الخطيرة في الفضاءات المخصصة للعائلات. فظاهرة تربية الكلاب الخطيرة في الجزائر، ليست مجرد قضية ترف أو موضة عابرة، بل هي مرآة تعكس تحولات اجتماعية وثقافية أعمق. ومعالجة هذه الظاهرة تتطلب وعيا جماعيا بخطورتها، وإرادة سياسية لتنظيمها، ومسؤولية فردية من المربين، الذين يجب أن يدركوا أن حيوانهم قد يتحول من صديق وفيٍّ إلى خطر يهدد حياة الآخرين!.