"المساء" تستطلع واقع سوق الذهب

جزائريون يتبنَّون مبدأ "الحدايد للشدايد"

جزائريون يتبنَّون مبدأ "الحدايد للشدايد"
  • 141
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

❊ ارتفاع قياسي في أسعار المعادن النفيسة

❊ تجار الذهب: تراجع كبير في حجم المصوغات المعروضة

❊ خبير اقتصادي: المعادن ملاذ آمن في زمن التوترات

❊ خبير علم الاجتماع: الذهب والفضة أداتان للشعور بالأمان

يحتل الذهب مكانة خاصة في المجتمع الجزائري، ليس فقط كسلعة اقتصادية أو كمخزون ذي قيمة، بل كجزء من التقاليد والعادات الاجتماعية، سواء في الأعراس أو المناسبات؛ إذ كان الذهب يُستخدم كتعبير عن الفرح في مختلف الاحتفالات، وغالبا ما كان يقدَّم كهدية، أو يُجمع كادخار تقليدي للأجيال القادمة. ففي الأحياء والأسواق الشعبية، غالبا ما تنهمك السيدات خاصة عاشقات المعدن الأصفر، في الحديث عن شكله، ولونه، كجزء من ثقافة يمتد تأثيرها لعقود طويلة، حينما كان الذهب زينة، وذاكرة، ومفتاحا لحفظ القيم التقليدية، فيما تبنّى البعض هذا المعدن على سبيل الادخار؛ تطبيقا للمثل القائل: “الحدايد للشدايد” . لكن يبدو أن تلك النظرة تغيرت كثيرا خلال الآونة الاخيرة، خصوصا بعد الارتفاع القياسي، والتقلبات في أسعار المعدن النفيس، وبلوغه أرقاما قياسية في الأسواق العالمية.

شهدت الجزائر، أيضا، تحولا ملموسا في علاقة المجتمع بمعدن الذهب. وأظهرت تقارير أسواق الذهب العالمية مؤخرا، أن الطلب على الذهب وصل إلى مستويات قياسية خلال 2025، مدفوعا بالطلب الاستثماري، وحالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي؛ بسبب ما يحدث في أرجاء المعمورة من تقلبات على مستويات عدة، لتستمر تلك السلوكيات حسب التوقعات العالمية خلال 2026، وحتى السنوات القادمة. 

كما شهدت الجزائر ارتفاعا في أسعار الذهب بشكل ملفت للانتباه. ويبدو أن الكثير من الناس باتوا يراقبون تحركات سعره، ليس كزينة فقط، بل كأصل استثماري أو كملاذ آمن في مواجهة تراجع العملة المحلية، وضغوط التضخم، وتخوّف من مستقبل يشوبه الكثير من الغموض حول حالة الاقتصاد، وحتى الاستقرار السياسي والاجتماعي في العالم كافة. هذا التغير لم يأت في فراغ، بل كان نتيجة عوامل عدة اقتصادية واجتماعية، أدت الى حدوث هذا التذبذب على المستوى العالمي.

من سوق الزينة إلى وال ستريت

في الأسواق الشعبية ومحلات الصياغة المعروفة في المدن الكبرى كالعاصمة، والبليدة، وقسنطينة، لاحظ حرفيو الذهب تراجع الإقبال على شراء الذهب لأغراض الزينة التقليدية؛ بسبب ارتفاع الأسعار، وضعف القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين، هذا ما أكده عدد من باعة الذهب بالعاصمة، الذين شملهم استطلاع “المساء”، مؤكدين أن هذه السوق عرفت تذبذبا كبيرا خصوصا خلال فترة كورونا، المرحلة التي شهد فيها الذهب قفزة كبيرة، توالت حينها الأحداث، وأصبحت الزيادات تنتقل بين 5 و7 بالمائة في سعر الغرام بين السنوات حتى الأشهر أحيانا. وتواصلت تلك الزيادات بشكل كبير بعد الأزمات العالمية، والمشاكل السياسية التي ضربت العديد من دول العالم، إذ أصبحت المعادن النفيسة الملاذ الآمن؛ خوفا من بروز أزمات أو اندلاع حروب. 

وأكد الصاغة أن في تلك الفترة التي عرفت ارتفاعا في سعر الغرام الواحد في الجزائر، توجه بعض الصنّاع نحو العمل على قطع تتماشى وإمكانات المواطن؛ أي أصغر حجما، وأقل وزنا. وهذا ما أكده وليد تاجر ذهب ببلدية باب الزوار من عائلة حرفيين منذ سنوات، موضحا: « تماشيا والقدرة الشرائية للمواطنين، بات الصياغ وحرفي صناعة الذهب يعمل على صناعة قطع صغيرة وخفيفة في الميزان. فبعد أن كان العقد، على سبيل المثال، يصل وزنه إلى 20 غراما وحتى أكثر، أصبح اليوم يزن بين غرامين وخمس غرامات. وهذا الوضع مس جميع القطع التي كانت تتميز بكبر الحجم، وثقل الوزن، حيث أصبحت لا تزن تقريبا شيئا، بل أصبحت حساسة جدا، وحتى قابلة للكسر، والتلف بسهولة. لكن ذلك كان محاولة لخلق قطع يمكن اقتناؤها. وحينها اختفت تماما تلك القطع القديمة ذات الصلابة والمتانة التي كانت عليها قطع الأمس.

من جهته، أوضح سمير بائع بالعاصمة، أن الإقبال خلال فترة مضت، اقتصر على ميسوري الحال فقط، وتراجع كثيرا وسط عامة المجتمع، حيث أصبح من غير الإمكان اقتناؤه، خصوصا أن كثيرا من الباعة أوقفوا سياسة البيع بالدفع بالتقسيط نظرا للارتفاع المتكرر والمفاجئ في الذهب أسبوعيا في البورصة؛ ما يجعل التجار لا يتحملون الخسارة بعد الاتفاق على السعر، ثم ارتفاعه في السوق العالمية بعد أشهر أو حتى أيام قليلة.

ومن جهته، قال عادل من محل آخر، إن الإقبال في هذه الفترة هو الأقل منذ عقود، مشيرا إلى أن الأسر أصبحت تفضل القطع خفيفة الوزن. وفي كثير من الحالات، تتحول العملية إلى تداول تقليدي للذهب القديم أو المستعمل أو ما يُعرف بـ«الكاسي” بدلا من شراء الجديد؛ ما أدى الى بروز العديد من الممتهنين لهذه التجارة في الشوارع، وحتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هذا التوجه، حسبه، يعكس، عمليا، تأثر سلوك المستهلك بالأسعار المتطايرة؛ حيث يصبح الذهب ورقة مالية، يحتفظ بها الناس بدلا من إدخالها في حياة الاحتفال اليومي.

أما زينو بائع آخر، فأكد أن اقتناء الذهب خلال الأسابيع الأخيرة غيّر الكثير من المفاهيم في تفكير بعض العائلات. وتحوَّل من زينة بحتة للبعض الى ملاذ، ومخزن قيمة. وعرفت هذه الأيام تحركا كبيرا في السوق بين باعة ومشترين، فمنهم من قرر بيع ما لديه استغلالا للارتفاع الجنوني في السعر. ومنهم من قرر، على العكس، الاحتفاظ بما لديه، واقتناء قطع جديدة؛ تحسبا لزيادات محتملة خلال السنوات المقبلة.

وأضاف محدث “المساء” أن الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب لم يكن محليا فقط، بل عالميا، فقد سجلت الأسواق العالمية مستويات قياسية في الطلب على الذهب في 2025، مدفوعة في مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية. وازدادت مشتريات الذهب الاستثمارية بشكل كبير. هذا الارتفاع دفع الكثيرين في الجزائر، إلى رؤية الذهب كملاذ آمن لحماية القيمة، خاصة مع توقع تحسن الأسعار، أو استمرار ارتفاعها. وهذا الملاذ جاء بسبب توقعات اقتصادية عالمية بعدم استقرار الأسواق المالية، وارتفاع في سعر المعادن مع بداية 2026. حقيقةً، عرفت أسواق المعدن مع بداية السنة الجارية، تحركات زلزالية، إثر العديد من القرارات السياسية والاقتصادية في أمريكا؛ بسبب انخفاض قيمة الدولار، والبحث عن ملاذ آمن في المعادن؛ حيث أدى ارتفاع الطلب الى ارتفاع السعر بشكل جنوني.

الذهب والفضة.. مخزن القيمة والملاذُ الآمن في زمن التوترات

حول هذا الموضوع كان لـ«المساء” حديث مع البروفيسور في الاقتصاد محمد بن بوزيان، الذي قال: “لقد شهد الذهب ارتفاعا غير مسبوق في أسعاره على المستوى العالمي؛ حيث تجاوز سعر الأونصة ـ وهي قطعة يبلغ وزنها تقريبا 33 غراما ـ مستويات قياسية متعددة. وقفز إلى أكثر من 5100 دولار في بعض الجلسات” . وقال إن هذا الرقم لم يشهده المعدن النفيس من قبل قطَُّ! وهذا الصعود كان مدفوعا، حسب بن بوزيان، بشكل أساسي، بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، والمخاوف من تباطؤ النمو، وطلب المستثمرين على أصول الأمان في ظل اضطرابات اقتصادية عالمية، وخوفا من اندلاع حروب، ووقوع أزمات عالمية.

وأضاف أن الطلب لم يأت فقط من المستثمرين الأفراد، بل، أيضا، من البنوك المركزية في دول كبرى تستمر في إضافة الذهب إلى احتياطاتها؛ كوسيلة للتحوّط ضد عدم اليقين الاقتصادي الذي يشهده العالم؛ إذ إن بعض الدول كالصين، لديها برنامج منتظم في اقتناء الذهب شهريا حتى وإن اختلف سعره من شهر لآخر، وبلغ مستويات عالية؛ فالطلب المرتفع أدى، أيضا، الى زيادة السعر. وكذا بعض التوقعات العالمية، يضيف الخبير، تحدثت عن احتمال استمرار الأسعار باتجاه مستويات أعلى خلال بقية 2026 إذا تواصلت هذه العوامل.

لكن السوق ليست ثابتة، يشدد بن بوزيان؛ فالأسعار لا تصعد على خط مستقيم في منحناها في الأيام الأخيرة؛ إذ لوحظ خلال الأسبوع الماضي، تراجع حاد في السعر بنحو 7 الى 10 بالمائة في جلسة واحدة بعد موجة الصعود الطويلة، مع هبوط سعر الأونصة إلى مستويات أقل من 5 آلاف دولار خلال تعاملات الأسبوع الماضي.

هذا التراجع الأخير، يقول الخبير، يعود، بشكل رئيسي، إلى أربعة أسباب، وهي جني الأرباح بعد ارتفاعات قياسية؛ إذ إن المستثمرين الذين اشتروا الذهب في المستويات الأقل، قرروا بيع جزء من حيازتهم، وهو أمر طبيعي بعد ارتفاع حاد في سعر المعدن، الى جانب قوة الدولار الأمريكي، حيث إن صعود الدولار يقلل من جاذبية الذهب في الأسواق العالمية، لأن المعادن تسعَّر بالدولار، فزيادة قيمة العملة تجعل المعدن أكثر غلاء للمشترين بعملات أخرى.

وهذه سياسة تم اعتمادها بعد أن شهد الدولار انخفاضا في قيمته مؤخرا؛ ما دفع الى تصحيح ذلك، وبالتالي انخفاض الطلب على الذهب، وتراجع قيمته. ثم هناك سبب آخر، يضيف بن بوزيان، وهو تغير توقعات السياسة النقدية، وارتفاع عوائد السندات. وقراءات اقتصادية قوية في الولايات المتحدة، أدت إلى تعديل توقعات بعض المستثمرين بشأن خفض أسعار الفائدة، ما يقلل من جاذبية الذهب كأصل آمن، وأخيرا، تصحيح فني في الأسواق، وهو ما ينتشر مؤخرا بين عامة الناس، بأن الانخفاض هو مجرد تصحيح في السوق. وإن كان ذلك حقيقيا، لكن لا يُعد كل السبب. فبعد ارتفاعات طويلة وقوية تظهر ضغوط فنية في الأسواق المالية، تدفع المستثمرين إلى إعادة التوازن بين الأصول، ما يؤدي إلى موجات بيع قصيرة الأجل قبل أن يستقر السعر أو يعاود الارتفاع.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن الذهب ليس منتجا يولد عائدا دوريا مثل الأسهم أو السندات التي تعود بالفائدة أحسن على المستثمرين، وهذا ما يجعل أكبر المضاربين ينوّعون محافظهم الاستثمارية، وهنا ينخفض السعر إذا ما وجدت سبل أخرى للاستثمار، تكون أكثر ربحا، وتذر عوائد أحسن على المستثمر، بل يكون خيارا فقط للراغبين في الادخار، والبحث عن الملاذ الآمن لسنوات مقبلة، وجني الأرباح بعد تسجيل مستويات قياسية في الأسعار.

من معادن نفيسة إلى أدوات للشعور بالأمان

من جهته، أوضح رضا بريق، أستاذ علم الاجتماع، أن التحول في علاقة الأفراد بالذهب والفضة لا يمكن قراءته فقط من منظور اقتصادي، بل هو انعكاس مباشر لحالة القلق الجماعي، وعدم اليقين الاجتماعي. فحين تتراجع الثقة في العملة وتزداد المخاوف من التضخم وفقدان القدرة الشرائية، يلجأ الأفراد غريزيا، إلى ما يرونه مخزنا للقيمة. وهي ثقافة متوارَثة مثل الذهب والفضة، وهذا ما يترجم السلوك الحالي للأفراد. وأضاف: “هذا السلوك لا يندرج دائما في إطار المضاربة العقلانية بقدر ما يعبّر عن حاجة نفسية للشعور بالأمان، والسيطرة على المستقبل"، مؤكدا أن المضاربة على المعادن النفيسة أصبحت شكلا جديدا من أشكال التكيف الاجتماعي حتى وإن ارتفع السعر؛ فأي انخفاض طفيف يشجع الفرد في اقتناء تلك المعادن اليوم؛ حيث يتحول الادخار التقليدي إلى سلوك استثماري دفاعي، خاصة من الطبقة المتوسطة، بينما تميل الفئات الأقل دخلا، إلى الاحتفاظ بما تملكه من حليّ؛ كشبكة أمان اجتماعية.

ونبّه المختص الاجتماعي الى أن الذهب لم يعد مجرد زينة أو رمز احتفالي، بل أصبح لغة اجتماعية، تعكس الخوف من الغد، ومحاولة لحماية المكانة الاجتماعية، والاستقلال المالي في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية. وأضاف أن الإقبال المتزايد على الذهب والفضة، يعكس تحوّلا واضحا في عقلية الأفراد من منطق الاستهلاك الى منطق التحوط والحسابات طويلة المدى، وحماية المستقبل؛ فالعائلة التي كانت ترى في الذهب زينة للأعراس ومصدرا للفرح، أصبحت تنظر إليه اليوم، كخطة وقائية في حال الطوارئ، سواء مرض مفاجئ، أو بطالة، أو تراجع إضافي في القدرة الشرائية، أو حتى وقوع أزمة اقتصادية أو سياسية.

هذا التحول يرافقه تغير في النقاشات اليومية داخل البيوت والأسواق. ولم يعد السؤال عن جمال القطعة أو رمزيتها الاجتماعية، بل عن وزنها، وعيارها، وقابليتها للبيع عند الحاجة. ويؤكد المختص أن هذا السلوك يعكس حالة من الحذر الجماعي، تجعل الأفراد يميلون إلى تخزين القيمة بدل توظيف المال في مشاريع، وهو ما يعكس، بدوره، ضعف الثقة في المستقبل القريب. ويبرز كيف تتحول المعادن النفيسة إلى أداة نفسية واجتماعية، تمنح شعورا بالاطمئنان وسط عالم غير مستقر.