تحولت من انحراف فردي الى تهديد قوميّ

دعوة الى تعبئة مجتمعية شاملة لمكافحة المخدرات

دعوة الى تعبئة مجتمعية شاملة لمكافحة المخدرات
  • 125
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

تفرض آفة المخدرات نفسها اليوم، كواحدة من أخطر القضايا التي باتت تهدد تماسك المجتمعات، واستقرار الأسر، ومستقبل الأجيال بعدما تجاوزت هذه الظاهرة حدود الانحراف الفردي، لتتحول الى تهديد حقيقي يمس الأمن الاجتماعي، والصحي، والفكري في آن واحد. ومع تطور أساليب الترويج وانتقال كثير من شبكات الاتجار الى استغلال الوسائط الرقمية والفضاءات الافتراضية، أصبحت المواجهة أكثر تعقيدا. وأصبح الحديث عن حماية المجتمع من هذه السموم، لا يقتصر، فقط، على الجانب الردعي، بل يمتد الى التربية، والتوعية، والتحصين الفكري، وغرس ثقافة ترفض الآفة، وتحاصرها من كل الجهات.

وحول هذا الموضوع احتضن المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر العاصمة، مؤخرا، ندوة علمية وطنية تحت عنوان "خطر المخدرات وأثرها على مستقبل الأمة"، نُظمت بالتنسيق مع الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين، وممثلي الأسلاك الأمنية، وعدد من القطاعات الوزارية، في خطوة تعكس توجها وطنيا نحو بناء مقاربة موحدة وشاملة لمواجهة هذه الظاهرة، والتي تقوم على جمع الرؤية الدينية، والعلمية، والأمنية، والاجتماعية ضمن إطار واحد، يهدف الى حماية المجتمع، وتعزيز مناعته.

وأكد رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الدكتور مبروك زيد الخير، أن محاربة المخدرات ليست مجرد مهمة إدارية أو قانونية، بل هي واجب شرعي ووطني، نظرا لما تمثله هذه الآفة من اعتداء مباشر على مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى، وتهديد واضح لكيان الدولة ولحمتها الاجتماعية، مشددا على ضرورة تكاتف النخب العلمية والدينية، وتوحيد الجهود؛ من أجل نشر الوعي، وتعزيز الحصانة الفكرية لدى الأجيال الصاعدة في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها المجتمع.

ومن جهته، استعرض المدير العام للديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها الدكتور طارق كور، المحاور العملياتية للاستراتيجية الوطنية للمكافحة، مبرزا حجم العمل الميداني الذي تقوم به مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية من الجيش الوطني الشعبي، والدرك والأمن الوطنيين ومصالح الجمارك، في التصدي لمحاولات إغراق البلاد بالمخدرات. كما سلط الضوء على ما حققته الترسانة القانونية الجديدة، خاصة القانون 23 05، في تعزيز المنظومة الردعية، وتوفير أدوات قانونية أكثر فعالية في ملاحقة الشبكات الإجرامية.

من جهتها، ناقشت الأستاذة الدكتورة سامية قطوش، المختصة في العلوم الاجتماعية والدراسات السلوكية في مداخلتها خلال هذا اللقاء، مختلف الأبعاد التربوية والوقائية للظاهرة، حيث سلطت الضوء على إشكالية المخدرات في العصر الرقمي، وكيف أصبحت هذه الآفة تعيد تشكيل الوعي الجماعي من خلال المضامين الرقمية، ومساحات التأثير الجديدة، موضحة أن منصات التواصل لم تعد مجرد وسيلة للتفاعل اليومي، بل تحولت في بعض الحالات، الى فضاءات قد تُستغل في التطبيع مع بعض السلوكيات الخطيرة، وهو ما يستدعي بناء وعي رقمي لدى الناشئة، وتمكينهم من أدوات التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى الموجه للضرب بالقيم المجتمعية.

وتناول الدكتور عبد الحق مرابطي، المختص في علوم التربية، دور المؤسسة التربوية في بناء المناعة القانونية والوقائية لدى التلاميذ والشباب، مشيرا الى أن المدرسة لم تعد فضاء للتحصيل العلمي فقط، بل أصبحت شريكا أساسيا في حماية الناشئة من مختلف المخاطر الاجتماعية. كما شدد على ضرورة إدماج ثقافة الوقاية والتوعية القانونية داخل البرامج التربوية والأنشطة المدرسية، بما يسمح ببناء شخصية متوازنة ومدركة لحجم المخاطر التي قد تواجهها داخل المجتمع أو عبر الفضاء الرقمي.

أما الأستاذ سفيان حنيفي المختص في السياسات الوقائية ومتابعة برامج مكافحة الإدمان، فقد قدم عرضا حول ملامح الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية، حيث استعرض أهم المحاور التي ترتكز عليها هذه الرؤية الوطنية، خاصة ما تعلق بتوسيع الحملات التحسيسية داخل المؤسسات التربوية والجامعية ومختلف الفضاءات الشبابية. كما أكد أن نجاح أي استراتيجية وطنية يبقى مرتبطا بمدى انخراط مختلف الفاعلين؛ من أسرة ومدرسة ومجتمع مدني ومؤسسات رسمية، في نفس المسار الوقائي.

وأكدت الدكتورة خيرة بن سالم الباحثة المختصة في الدراسات العلمية والصحية، أن البحث العلمي بات اليوم عنصرا محوريا في دعم جهود المكافحة الوطنية، وفهم التحولات الجديدة المرتبطة بهذه الظاهرة، موضحة أن الدراسات الميدانية والمعطيات العلمية الدقيقة أصبحت ضرورية لرصد تغير أنماط الاستهلاك، وطرق الاستهداف الجديدة التي تستعملها الشبكات الإجرامية. كما دعت الى تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والهيئات المختصة؛ من أجل إنتاج معرفة علمية، تساعد صناع القرار على وضع سياسات أكثر فعالية واستجابة للواقع.

أما الجلسة العلمية الثانية من الندوة، فقد خُصصت للمقاربة الأمنية والاستراتيجية، حيث حملت قراءة أوسع لتطورات الظاهرة على المستوى الإقليمي، حيث قدم الأستاذ الدكتور لخميسي بزاز، الأمين العام لرابطة علماء ودعاة وأئمة دول الساحل، تحليلا معمقا حول ظاهرة الاختراق العابر للحدود في منطقة الساحل الإفريقي، وانعكاساته المباشرة على الأمن الوطني.

كما استعرض محافظ الشرطة لعيساوي خالد والرائد سخاف عادل، الجهود الميدانية التي تبذلها مصالح الأمن والدرك الوطنيين في مكافحة المخدرات، فيما قدم السيد جمال عميشي المفتش العميد نائب مدير النشاط العملياتي للفرق، عرضا حول استراتيجية الجمارك الجزائرية في تأمين المنافذ الحدودية، والتصدي لمحاولات التهريب قبل ان يختتم الدكتور سعيد بويزري عضو لدى المجلس، أشغال الجلسة برؤية فقهية وقانونية جمعت بين البعد القيمي والبعد التشريعي في معالجة هذه القضية.

ولم تتوقف الندوة عند تشخيص الظاهرة فقط، بل خرجت بجملة من التوصيات العملية التي تعكس توجها نحو الانتقال من التحسيس الى الفعل الميداني، حيث دعا المشاركون في الجانب التشريعي، الى استحداث فهرس وطني إلكتروني للوصفات الطبية المتعلقة بالأدوية المخدرة، الى جانب تفعيل آليات التحري المالي للتضييق على شبكات التمويل الإجرامي.

وأوصت الندوة في جانبها الوقائي بإطلاق منصات توعوية تفاعلية، تستهدف الشباب بلغتهم داخل الفضاء الرقمي، مع التأكيد على ضرورة توسيع شبكة مراكز علاج الإدمان، ووضع برامج مرافقة لاحقة للعلاج، تضمن الإدماج المهني والاجتماعي للمتعافين، وذلك كله ضمن إطار الاستراتيجية الوطنية الممتدة من سنة 2025 الى غاية 2029، في رسالة واضحة مفادها أن معركة مكافحة المخدرات لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل قضية مجتمع كامل، يحتاج الى وعي جماعي، وتحرك موحد، ومستمر.