المشي في جبال الجزائر
عندما تلتقي الرياضة بالمتعة والاستكشاف
- 182
كمال لحياني
في خضم تسارع الحياة العصرية وضغوط المدن المزدحمة، يبحث الإنسان الجزائري اليوم، عن متنفس حقيقي يعيده إلى جوهر الطبيعة، ويخلق توازنا بين متطلبات الجسد وهدوء النفس. ومن بين كل الرياضات الممكنة تبرز رياضة المشي في الغابات والجبال، كواحدة من أكثر الأنشطة نموا وانتشارا في الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
لم تعد هذه الرياضة مجرد هواية يمارسها البعض في عطلات نهاية الأسبوع، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية وصحية وسياحية، تَزايد عدد المنخرطين فيها من مختلف الفئات العمرية والأوساط الاجتماعية؛ فما كان بالأمس القريب نشاطا فرديا عابرا، أصبح اليوم حركة رياضية منظمة، تمارَس عبر عشرات الجمعيات والنوادي، بل استقطب اهتمام وكالات سياحية، ومؤسسات شبانية وطنية، تسعى جميعها إلى استغلال هذا الإقبال المتزايد للترويج للسياحة الداخلية، واستكشاف المناطق التاريخية والطبيعية الخلابة التي تزخر بها السلسلة الجبلية في الجزائر، من جبال جرجرة الشامخة إلى الأطلس البليدي الأخضر، ومن جبال الأوراس العريقة إلى جبال الونشريس الممتدة.
المشي الجبلي بين الرياضة والمتعة
يرى كثير من ممارسي هذه الرياضة أن المشي لمسافات طويلة في التضاريس الوعرة ليس مجرد نزهة عابرة، بل هو رياضة حقيقية بكل المقاييس، تنشط الدورة الدموية، وتقوي العضلات، وتقي من أمراض العصر المزمنة؛ مثل السكري، والكوليسترول، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة المفرطة. وهناك من يدفع بجسده إلى أقصى حدود التحدي، فيسعى إلى قطع مسافات طويلة قد تصل إلى 20 كيلومتراً في رحلة واحدة، وصولا إلى أعلى القمم، وأبعد الغابات، وهو ما يشكل تحضيراً بدنياً ممتازاً، لا يقل شأناً عن أي رياضة عنيفة أخرى.
وفي هذا السياق، يروي شريف بوزناشة، أستاذ التعليم الثانوي، تجربته الملهمة لـ«المساء" ، قائلا: "كنت في البداية أمارس رياضة الكاراتيه والكيكبوكسينغ، لكنني تعرضت لإصابة على مستوى الكتف، اضطرتني للتوقف قسراً. لم أكن راغبا في فقدان لياقتي البدنية التي بنيتها لسنوات، فقررت التوجه إلى رياضة المشي، فوجدت نفسي أمام بديل ضروري، تحوَّل إلى شغف حقيقي. فشجعت زملائي على تأسيس مجموعة، أصبحنا نعد فيها برنامجا أسبوعيا، ونحدد وجهة معينة في كل مرة، نرفع فيها التحدي، ونحفز بعضنا البعض".
أما محمد شاوش زميل شريف، فيقدم شهادة أخرى مؤثرة، وكيف أنقذته رياضة المشي من مشكلة السمنة التي لازمته لسنوات: "كنت أعاني من السمنة المفرطة. وجربت عدة برامج رياضية، لكنني كنت أستسلم سريعا. ومع هذه المجموعة تغير كل شيء. رفعنا التحدي سويا، والتزمت ببرنامج رياضي منتظم عن طريق المشي. وأصبحنا نسير أحياناً مسافات تصل إلى 20 كيلومتراً، وهذا ما ساعدني حقاً على التخلص من الوزن الزائد. والآن أشعر بخفة وحيوية لم أعرفهما من قبل ".
المتقاعدون.. تكريس لمقولة "العمر مجرد رقم"
ليس الشباب وحدهم من استولت عليهم حماسة المشي الجبلي، بل إن شريحة مهمة من المتقاعدين وجدت في هذه الرياضة متنفسا مثالياً يملأ وقت الفراغ، ويحافظ على البدن، ويؤكد أن العمر ليس عائقاً أمام المتعة والتحدي. ويشكل هؤلاء مجموعات تلتقي نهاية كل أسبوع، لتنطلق في رحلات استكشافية بين الجبال والغابات، رافعين شعار "العمر مجرد رقم".
خليفة جلول متقاعد من مؤسسة عمومية، هو أحد هؤلاء الذين استطاعوا إقناع نظرائهم بترك المقاهي والحدائق العامة، وتغيير نمط الحياة التقليدي. ويشرح جلول تجربته قائلا: "كنت أعمل في الصحراء الجزائرية لسنوات طويلة، ولم يكن لدي الوقت أبدا لاستكشاف المناطق الجبلية في وطني؛ بسبب ارتباطاتي العائلية والمهنية؛ فالحياة هناك كانت صعبة، وكنت بعيداً عن الديار لأضمن لقمة العيش. أما اليوم، وبعد التقاعد، فأحاول تعويض ما فات. نخرج أنا وزملائي ونستمتع بالتنوع الغابي والبيولوجي المذهل الذي تزخر به هذه المناطق. ومن حين لآخر نرفع التحدي بيننا، لنصل إلى أعلى القمم، وأبعد النقاط، وكل ذلك في جو من المرح، والمتعة، والترفيه البحت ".
سياحة داخلية واكتشاف للتاريخ
مع هذا الرواج الكبير لم تقف الجمعيات والمؤسسات الشبابية والجهات الرسمية مكتوفة الأيدي، بل سعت إلى استغلال هذا الزخم للترويج للسياحة الداخلية، ومنح المشاركين فرصة اكتشاف مناطق تاريخية وأثرية كانت منسية أو مهملة. وتهدف هذه الرحلات المنظمة إلى ربط المتعة الرياضية بالمعرفة التاريخية والثقافية، ما يخلق تجربة متكاملة الأبعاد. ويقوم مهدي حاج علي، مدير الشباب ببلدية بورقيقة ومؤسس نادي التجوال الشباني، بتنظيم رحلات تجوال شبابي دورية إلى مناطق تاريخية وأثرية، ضمن النشاطات الترفيهية والسياحية الموجهة لشباب المنطقة.
ويصف مهدي آخر رحلة استكشافية قام بها فريقه قائلا: "توجهنا مؤخرا إلى أعالي منطقة شفة بولاية البليدة. وهي منطقة وعرة وجميلة في آن واحد. سمحت الرحلة للمشاركين باكتشاف مغارات طبيعية رائعة، وشلالات خلابة لم تمسسها يد البشر. والأهم من ذلك، أننا تمكنا من العثور على بعض الحيوانات المهددة بالانقراض، كالقرود الإفريقية النادرة. كما قدّمنا لهم شروحات مفصلة حول مسار السكة الحديدية القديم الذي كان يربط البليدة بولايات داخلية، وهو مسار يمر عبر مسالك جبلية خطرة وأنفاق هندسية مدهشة، تبرز العبقرية الهندسية في زمن الاستعمار الفرنسي، وتحكي قصة تحديات، وتضحيات ".
أما حميد ولد رابح رئيس جمعية الشباب الجوال بتيبازة، فيضيف بعداً آخر من التنظيم والإبداع. ويشرح حميد طريقتهم قائلا: "مع نهاية كل أسبوع نقوم بتنظيم رحلات تجوال ومشي في مختلف المناطق الجبلية. ويتم إخبار المجموعة عبر صفحتنا الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي بالوجهة المختارة مسبقا. ثم نتنقل جميعاً إلى نقطة الانطلاق إما بالحافلة أو باستخدام الدراجات الهوائية. وهناك نرفع التحدي للوصول إلى نقطة النهاية. وكجزء من المرح والتحفيز نضع قاعدة فريدة: كل من يتأخر أو يستسلم في الطريق، يُغرم بدفع تكاليف المياه والمأكولات لبقية المجموعة، بينما نُكافئ أصحاب المراتب الأولى في جو من البهجة، والمرح".
.. رياضة النخبة أيضاً
لم تعد رياضة المشي في الجبال حكرا على فئات اجتماعية معيّنة أو أولئك الذين يملكون وقت فراغ كبير، بل أضحت هواية تستهوي النخب والإطارات العليا من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين، وحتى مسؤولين في الدولة؛ حيث يجد هؤلاء في صعود الجبال وقطع المسافات الواعية متنفسا حقيقياً من الضغط النفسي، والقلق، والتحديات اليومية التي يواجهونها في بيئاتهم المهنية عالية التوتر.
ويؤكد عبد الرحمان طالبي، طالب طب في جامعة البليدة ورئيس منظمة طلابية، أن المشي والتجوال الجبلي غيّر حياته كطالب: "تخصص الطب معروف بضغطه الهائل، ودروسه المكثفة. كنت أعاني من التوتر والإرهاق الذهني المستمر. لكن عندما اكتشفت رياضة المشي تغير كل شيء؛ إذ سمحت لي باكتشاف مناطق جميلة كنت أجهلها تماما في بلدي. وفي كل مرة أخرج فيها مع زملائي الطلبة إلى المناطق السياحية الجبلية، ونسير مسافات طويلة. أشعر براحة نفسية لا توصف؛ فهي لحظات نتخلص فيها من كل الضغوط، ونستنشق الهواء النقي ".
ومن جانبه، يضيف الدكتور مولا عبد القادر، الطبيب المنخرط في جمعية الصيد البري وأحباب الطبيعة بالجزائر العاصمة، بعدا علاجيا آخر لهذه الهواية، قائلا: "لكل منا طريقته في التعامل مع ضغط العمل في المستشفى. لقد وجدت ضالتي في المشي داخل الغابة أثناء ممارسة هواية الصيد. وفي كل مرة أذهب فيها أشعر أنني أحارب القلق والتوتر. كما إن المشي يساعد على تحسين أكسجنة الدماغ، وينشط القلب. والأهم من ذلك أنه يخرجني من الدائرة المغلقة والطاقة السلبية التي نعيشها يومياً في المستشفى؛ إنه علاج طبيعي مجاني بلا آثار جانبية ".
آفاق لتطوير مستدام وثقافة بيئية
لا تقتصر رؤية القائمين على هذه الرياضة على الجانب الترفيهي والرياضي فقط، بل تطمح جهات رسمية مثل محافظة الغابات ومديريات الشباب والرياضة، إلى تطوير هذه الرياضة، وإدماج تخصصات موازية كالتسلق، والسباق الموجه في المناطق الجبلية. كما يسعى هؤلاء إلى استغلال هذه التجمعات البشرية في تنظيم حملات تنظيف للغابات، وغرس أشجار جديدة، والتعريف بالتنوع البيولوجي الفريد لكل منطقة، وبالتالي زرع ثقافة بيئية حقيقية لدى مختلف فئات المجتمع.
إن مستقبل رياضة المشي في الجبال بالجزائر يبدو واعدا جدا؛ فهي تجمع بين الصحة، والمتعة، والثقافة، والحفاظ على البيئة. وتقدم نموذجاً رياضياً بديلاً ومستداماً لمجتمع يبحث عن التوازن والجودة في حياته اليومية. وفي كل خطوة تخطوها الأقدام على دروب الجبال الجزائرية، تُكتب قصة جديدة عن حب الطبيعة، وتحدي الذات، واكتشاف جمال الوطن المخبأ بين القمم والغابات.