خلف لهيب النار وكثافة الدخان
قلوب تواجه الخطر وذاكرة تحمل ثقل الإصابات
- 234
نور الهدى بوطيبة
بالتزامن مع موجة الحرائق التي تضرب مساحات واسعة من الغابات، تتجه أنظار الناس عادة، الى مشهد النار وهي تلتهم الأشجار، وإلى أعوان الحماية المدنية والغابات وهم يتقدمون نحو اللهب، وإلى رجال يخوضون سباقا مع الوقت لإنقاذ العالقين، وحماية القرى والمنازل، فيما تحبس المشاهد المتداوَلة للعمليات الجوية، الأنفاس، خصوصا عندما تظهر الطائرات وهي تناور فوق مناطق مشتعلة، وتقترب من بؤر النار في ظروف بالغة الخطورة!. مشاهد جعلت شجاعة هؤلاء في قلب حديث الناس. لكن خلف تلك الصور التي توثق البطولة هناك جانب آخر لا تلتقطه الكاميرات بسهولة، جانب يتعلق بالإنسان الذي يعود بعد انتهاء المهمة، حاملا في ذاكرته صورا، غالبا لا تنطفئ بانطفاء النار!.
ففي كل مرة يصل عون إنقاذ الى مكان تشتعل فيه الغابة، لا يعرف تماما ما الذي ينتظره خلف الدخان؛ فقد يجد عائلة تبحث عن طريق للخروج، أو شخصا مصابا، أو حيوانا عالقا، أو منزلا يلتهمه اللهب، أو مشهدا أكثر قسوة، لا يملك أمامه سوى مواصلة العمل. وبينما يراه الناس بطلا قادرا على مواجهة الخطر، يبقى في النهاية إنسانا يتعرض للخوف، والإرهاق، والضغط النفسي. وقد يضطر لرؤية الموت، والإصابات، والخسائر بشكل متكرر، ثم يعود الى حياته اليومية وكأن شيئا لم يحدث!. فإذا كان الجميع يسأل من ينقذ الناس من النار، فمن يسعف الإنسان الذي قضى ساعات في قلبها؟ ومن يساعد المسعف الذي اعتاد أن يحمل الآخرين بينما لا يجد دائما من يحمل عنه ثقل ما شاهده؟.
وفي الجزائر ومع المشاهد التي رافقت عمليات إخماد حرائق الغابات، ظهر أعوان الحماية المدنية وفرق الغابات والأطقم الجوية؛ في صور ومقاطع توثق تدخلات شاقة، وخطيرة. وتناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل مشاهد أثارت إعجاب المواطنين بقدرة هؤلاء على الاقتراب من بؤر النار، ومواصلة العمل وسط ظروف صعبة. بعض تلك الفيديوهات والمناورات جابت العالم، وتحدثت عنها وسائل أجنبية. غير أن صورة البطل التي نراها من الخارج لا يجب أن تحجب صورة الإنسان الذي يقف خلفها، ذلك الإنسان الذي قد ينتهي يومه المهني، يغادر موقع الحريق، ويعود الى منزله، بينما تبقى بعض المشاهد عالقة في ذاكرته.
وحول هذا الموضوع تحدّث فريد عطار مختص في الصحة النفسية لـ«المساء” قائلا: “إن مهنة المنقذ سواء حماية مدنية، أو شرطة أو درك أو غيرهم من الأسلاك الأمنية أو طبيب وطبيب شرعي، كلها من المهن التي يعيش ممارسوها ضغوطات كبيرة لا يتحملها إلا أصحاب القلوب القوية. كثير منهم تنتهي مسيرتهم المهنية بمشاكل نفسية خطيرة"، موضحا أن الصحة النفسية للعاملين في خدمات الطوارئ، معرضة للخطر؛ فالتعرض المتكرر للأحداث الصادمة يمكن أن يرفع مخاطر اضطرابات نفسية مختلفة، من بينها اضطراب ما بعد الصدمة، والقلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، والاحتراق النفسي، ولا يتعلق الأمر فقط بحجم حادث واحد، بل بتراكم المشاهد والمهام الخطرة مع مرور الوقت.
واضاف أن الكثير من الدراسات أكدت أن العاملين في خدمات الطوارئ ورجال الإطفاء يمثلون فئة معرضة بشكل خاص، لما يُعرف بالضغط المهني المرتبط بالصدمة؛ بسبب طبيعة عملهم التي تضعهم بصورة متكررة، أمام الموت، والإصابات، بعضها لا يمكن تحمُّله من طرف إنسان عادي، فضلا عن الدخول في قلب الكوارث والمواقف التي تهدد الحياة. ويقول الخبير إن قدرة عون الإنقاذ على التصرف بهدوء في لحظة الخطر، لا تعني بالضرورة أن التجربة لم تترك أثرا داخله؛ فالتدريب المهني الذي تلقّاه قبل التخصص في مهنته، هو ما يساعده على التركيز، واتخاذ القرار تحت الضغط، لكنه لا يلغي المشاعر الإنسانية الطبيعية التي يمكن أن تظهر بعد انتهاء الخطر.
وقد يعيش بعض العاملين بعد مهمة صعبة، وفق الخبير النفساني، حالة من التوتر المستمر، وصعوبة في النوم، واسترجاعا متكررا للمشهد، وحساسية زائدة تجاه أصوات أو روائح تذكّرهم بالحادث، تصل إلى عدم رغبتهم في الحديث عما شاهدوه، وهذا ما يزيد حدة المعاناة. وهذه الأعراض لا تعني تلقائيا الإصابة باضطراب نفسي، لكنها تصبح موضع اهتمام عندما تستمر أو تؤثر في الحياة اليومية، والعمل، والعلاقات. ويختلف تأثيرها من شخصية لأخرى.
وتزداد المسألة تعقيدا ـ يقول فريد عطار ـ عندما يكون عون الإنقاذ مطالَبا في الوقت نفسه الذي يختفي فيه الجميع من المشهد هروبا من الخطر، بالحفاظ على صورة الشخص القوي الذي لا يخاف، ولا يتعب؛ فذلك الصمت قد يجعل بعض العاملين ينظرون الى طلب الدعم النفسي، على أنه علامة ضعف، بينما الحقيقة أن الاعتراف بالتعب النفسي جزء من الوقاية المهنية. وأكثر الذين يعانون الضغط المهني هم هؤلاء الذين يستجيبون للإغاثة الأوائل؛ ترتبط معاناتهم بالقلق والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة. كما يمكن أن يتفاقم خلال الكوارث وحالات الطوارئ الكبرى؛ حيث الخطر لايزال قائما، ويغامرون بحياتهم وسط تلك المصائب دون تردد.
ولا يقتصر الضغط على رؤية الموت وحدها، يضيف محدث "المساء"؛ فالعمل وسط الحرائق يعني أيضا، ساعات طويلة من اليقظة، والحرارة، والدخان، والخوف من تغيّر اتجاه النار بسبب الرياح، والتعب الجسدي، ونقص النوم، والمسؤولية الثقيلة عن حياة أشخاص ينتظرون النجدة. وكل ذلك يمكن أن يجعل الجهاز النفسي يعمل لفترات طويلة في حالة استنفار دون راحة حتى. وكل تلك العوامل قد تؤثر بدورها، في الصحة، والأداء، والقدرة على الاستمرار.
وفي حرائق الغابات يصبح هذا الضغط أكثر قسوة، يقول عطار؛ لأن المهمة لا تكون دائما مواجهة حريق قصير ينتهي خلال ساعات، بل التعامل مع حرائق واسعة تمتد لكيلومترات أحيانا، ومتغيرة قد تمتد لفترات طويلة، وهو ما يجعل الأعوان ينتقلون من تدخّل الى آخر دون وقت كاف لاستعادة التوازن النفسي؛ أنفاس مقطوعة، حروق وغيرها من المشاكل الصحية، وبذلك حماية هؤلاء لا ينبغي أن تتوقف عند الخوذة، والملابس الواقية، ومعدات التنفس، بل يجب أن تشمل أيضا، صحتهم النفسية على المدى البعيد، وبعد عملهم؛ للوقاية من مضاعفات نفسية بسبب عملهم.
ومن هنا، قال المتحدث، "تبرز أهمية وجود متابعة نفسية حقيقية لأعوان الحماية المدنية، والمسعفين، وكل من يعمل في الخطوط الأولى للكوارث". وشدد الخبير في هذا السياق قائلا: “ليس فقط بعد وقوع حادث استثنائي، بل باعتبارها جزءاً من الوقاية المهنية المستمرة؛ فالدعم النفسي المبكر ووجود مختصين يمكن اللجوء إليهم بسرية، وتوفير فضاء يسمح للعامل بالتعبير عن تجربته دون خوف من الحكم عليه”، كلها أمور ـ يقول النفساني ـ يمكن أن تساعد على اكتشاف علامات الضغط قبل تحولها الى مشكلة أكثر تعقيدا.