مبادرات تضامنية تسبق التلاميذ إلى المدرسة
محافظ تحمل أقلاما وكراريس.. ومعانٍ لا تسعها الكتب
- 237
نور الهدى بوطيبة
لا يبدأ الدخول المدرسي بالنسبة لجميع الأطفال من النقطة نفسها. فبينما يستعد بعضهم لاختيار محفظة جديدة وترتيب دفاتره وأقلامه استعدادا للعودة الى مقاعد الدراسة، هناك من يحمل همَّ احتياجاتٍ قد تبدو بسيطة في نظر غيره، لكنها تشكل عبءا حقيقيا على أسر تكافح لتوفير الضروريات... طفل قد يحلم بمحفظة جديدة، وآخر قد يكتفي بأن تكون له أدوات تكفيه طوال العام. وفي الجهة المقابلة هناك من اختار أن يجعل من بداية الموسم الدراسي، فرصة لاقتسام ما يملك، وأن يحوِّل فائضه البسيط الى حاجة لطفل آخر، لتصبح المحفظة في هذه الحالة، أكثر من مجرد حقيبة تحمل الكتب والدفاتر، بل رسالة صامتة تقول: “إن الطفل المحتاج ليس وحده. وإن المجتمع يمكن أن يكون شريكا فعالا في منحه بداية لا تُشعره أبدا بالحاجة أو النقصان..”.
ومع اقتراب موعد العودة الى المدارس تتجدد في الجزائر العاصمة على غرار باقي ولايات الوطن، مبادرات جمع المحافظ والأدوات المدرسية التي اعتاد عدد من الفاعلين من جمعيات رجال أعمال ومؤسسات، القيام بها قبل موعد بداية الدراسة، لفائدة الأطفال من الأسر المعوزة، والأيتام، وبعض الفئات التي تواجه ظروفا اجتماعية وصحية صعبة... جمعيات ومتطوعون ومحسنون يفتحون أبوابهم للتبرعات، ويجمعون ما يمكن أن يخفف عن العائلات جزءا من أعباء الدخول المدرسي، وفي مقدمتهم جمعية “سنابل الخير” التي أطلقت حملة لجمع الحقائب واللوازم المدرسية، الى جانب مبادرات تضامنية أخرى، تسعى الى أن يصل الطفل إلى مدرسته وهو يحمل أدواته مثل أقرانه، لا أن يحمل معه عبء ظروف أسرته.
وتعود حملات جمع المحافظ والأدوات المدرسية الى الواجهة، في موعد ثابت تقدسه كثير من الجمعيات، لتكشف أن العمل التضامني لا يرتبط فقط بالمساعدات الغذائية او الحالات الصحية والطارئة، بل يمكن أن يبدأ من كراس وقلم ومحفظة؛ فالأداة المدرسية التي تبدو بسيطة في عين البعض، قد تعني الكثير لطفل يعيش ظروفا اجتماعية صعبة. وقد تمنحه شعورا بأنه يدخل المدرسة مثل أقرانه من دون أن يكون فقر الأسرة سببا في شعوره بالنقص أو الاختلاف.
في هذا السياق تبرز حملة الحقيبة المدرسية التي أطلقتها جمعية “سنابل الخير” تزامنا مع الدخول المدرسي تحت شعار “من خيرك يقرأ غيرك” . وهي مبادرة تقوم على جمع التبرعات، وتوفير المحافظ واللوازم المدرسية للأطفال الذين يحتاجون الى الدعم. وقد ظهرت الحملة عبر صفحات الجمعية ومواقع التواصل الاجتماعي لجمع أكبر عدد ممكن من اللوازم المدرسية، وتغطية أكبر عدد ممكن من الأطفال المحتاجين، في إطار التحضير للموسم الدراسي الجديد، بما يعكس استمرار حضور المبادرات الجمعوية في هذا الموعد من كل عام.
وحول هذا الموضوع تحدثت ريمة مسعود المكلفة بالإعلام لدى الجمعية، مع “المساء”، مشيرة الى أن فكرة الحملة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل معنى اجتماعيا أوسع؛ لأنها لا تقوم على منح الطفل شيئا جاهزا فقط، بل تشرك المجتمع في صناعة تلك المساعدة؛ شخص يشتري الدفاتر، وآخر يتكفل بالأقلام، وثالث يقدم محفظة، ورابع يساهم بما يستطيع من المال، ثم تجتمع هذه المساهمات الصغيرة في حقيبة واحدة، تصل في النهاية الى طفل ينتظر بداية عامه الدراسي. وأضافت أن الجمعية في هذه المرحلة تتحول من مجرد جهة توزع المساعدات، الى وسيط ينظم الرغبة في العطاء؛ فهي تجمع التبرعات، وتوجهها نحو احتياجات محددة. وتمنح الأفراد فرصة للمشاركة حتى عندما تكون مساهمتهم محدودة، وهو ما يجعل العمل التضامني أقرب الى فعل جماعي، تشترك فيه فئات مختلفة من المجتمع.
وأكدت أن الحملة تستهدف أطفالا من أحياء شعبية في الجزائر العاصمة، تعاني أسرهم من صعوبات مالية، يتم تسجيل كل حالة في قوائم مسبقة تشرف عليها لجنة الحي، لتحديد حاجة كل أسرة، وكل طفل، مشددة على أن فكرة الحقيبة المدرسية التضامنية ليست نشاطا عابرا، بل أصبحت واحدة من صور التكافل المرتبطة بالدخول المدرسي، يمكن كلَّ رجل أعمال أو محسن أن يشارك فيها بما استطاع.
من محفظة واحدة إلى مبادرة جماعية
ولا تتوقف المبادرات التضامنية عند جمعية “سنابل الخير”، فقد ظهرت خلال هذه الفترة، مبادرات أخرى تحمل الفكرة نفسها وإن اختلفت الجهات المنظمة والفئات المستفيدة؛ فمكتب أكاديمية الشباب الجزائري ببلدية السويدانية بالعاصمة، أطلق مبادرة لجمع المحافظ والمآزر والأدوات المدرسية، في إطار مساعدة العائلات التي تجد صعوبة في توفير مستلزمات الدخول المدرسي. وهي مبادرة امتدت خلال موسم الدخول المدرسي، لتفتح المجال أمام المحسنين والمتطوعين؛ للمساهمة بما يستطيعون.
وأكد القائمون عليها في حديثهم مع “المساء”، أن التضامن المحلي يمكن أن ينطلق من الحي نفسه، حيث يعرف السكان بعضهم بعضا، ويكون الوصول الى الحالات المحتاجة أكثر قربا. وقد أعلنت المبادرة عن استقبال التبرعات ضمن حملة المحفظة المدرسية، وهو ما يجعلها نموذجا آخر للعمل التضامني الذي يجمع بين الجهد الجمعوي، والمشاركة الشعبية.
ولا تختلف الصورة كثيرا عن جمعية “أهل العزم”، التي جعلت من المحفظة المدرسية محور مبادرة تضامنية موجهة للأطفال الذين يحتاجون الى الدعم مع بداية السنة الدراسية؛ فالحملة تقوم على فكرة جمع المحافظ والأدوات المدرسية، وتقديمها للأطفال المحتاجين، لتتحول المساهمة الفردية الى مساعدة متكاملة، وهي الصورة التي تتكرر في هذا الموعد من كل سنة، عندما يتحول القلم والدفتر والمحفظة، الى وسائل بسيطة، لكنها قادرة على تخفيف جزء من الضغط عن الأسرة.
وتحضر أيضا مبادرة جمعية “د.ز بيبول” التي حملت بعدا إنسانيا أكثر خصوصية، من خلال توجيه الاهتمام الى الأيتام والمحتاجين، مع مبادرات بتوفير المحافظ المدرسية، وتوزيعها على المستفيدين، وهو ما يضع فئة الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو يعيشون ظروفا أسرية واجتماعية صعبة، في قلب الحملة؛ فالهدف لا يقتصر على توفير مستلزمات الدراسة، وإنما يمتد الى مساعدة الطفل على استقبال الموسم الدراسي في ظروف أقرب الى ظروف زملائه بعيدا عن الإحساس بأن وضع أسرته قد يجعله مختلفا عن بقية التلاميذ.
حين تصل المبادرة إلى الطفل المريض
وفي هذا المشهد التضامني تبرز أيضا المبادرات التي لا تنظر الى الطفل المحتاج من زاوية العجز المالي وحده، بل تضع الظروف الصحية والاجتماعية ضمن أولوياتها، وهو ما ظهر في حملات موجهة لأطفال مرضى السرطان، وعائلات تعيش أعباء مضاعفة؛ بسبب العلاج، والتنقل، والمصاريف اليومية. فبالنسبة لهذه الأسر، قد تصبح العودة الى المدرسة ملفا إضافيا يضاف الى ملفات كثيرة، وأعباء مالية ومصاريف لا تنتهي. وقد لا تكون المحفظة وحدها المشكلة، بل مجموع الأدوات، والمئزر، والكتب، ومصاريف التنقل، وغيرها من الاحتياجات التي تأتي في وقت تكون الأسرة منشغلة أساسا بمواجهة المرض.
ومن هنا تكتسب حملات جمع الأدوات المدرسية قيمة إنسانية مختلفة؛ لأنها لا تقدم للطفل شيئا ماديا فقط، بل تؤكد أن ظروفه الصحية أو الاجتماعية لا تلغي حقه في أن يعيش تفاصيل طفولته، وأن يكون له مكان في القسم، ومحفظة يحملها، وأدوات يستعملها. وتدخل جمعية “غيث” ضمن هذه المبادرات التي ارتبط اسمها بالحملات التضامنية الخاصة بالمستلزمات المدرسية، حيث تقوم الفكرة على توفير حقيبة مدرسية وما يلزمها للأطفال الذين يحتاجون الى مساعدة. وهي صورة تعكس اتساع دائرة المشاركين في هذا النوع من العمل؛ من الجمعيات الى المتطوعين والمحسنين، والأفراد الذين يختارون أن يقدموا مساهمة مباشرة في تجهيز طفل للعام الدراسي.
العطاء الذي يبدأ من تفاصيل صغيرة
ما يجمع هذه المبادرات رغم اختلاف الجهات المنظمة والفئات المستفيدة، هو أن العطاء لا يشترط دائما إمكانات كبيرة، هذا ما أجمع عليه عدد من المشاركين في تلك الحملات في حديثهم مع “المساء”، فالحملة قد تبدأ بمحفظة واحدة، ثم تضاف إليها مجموعة دفاتر، وبعدها أقلام وأدوات للرسم، ومقلمة، ومئزر، حتى يصل البعض الى جمع الملابس والأحذية. ومع كل مساهمة جديدة تقترب الجمعية من تشكيل حقيبة كاملة يمكن تقديمها لطفل يحتاج إليها. وهنا تكمن قوة العمل الجماعي؛ إذ لا يشعر المتبرع بأن مساهمته الصغيرة غير مهمة؛ لأنها تصبح جزءا من صورة أكبر عندما تجتمع مع مساهمات الآخرين.
وهذه الروح هي التي تجعل الجمعيات حلقة وصل بين أفراد المجتمع والأسر المستفيدة؛ فهي لا تكتفي باستقبال التبرعات، بل تقوم في الحالات المنظمة بجمع المعلومات عن المستفيدين، وترتيب الاحتياجات، وتحديد الأولويات، ثم توجيه المساعدات، وهو ما يجعل العمل التضامني أكثر تنظيما، ويقلل من احتمال أن تبقى بعض الأسر خارج دائرة الاستفادة، بينما تتكرر المساعدات لدى الحالات نفسها.
التضامن لا ينتهي عند باب الجمعية
وتقول التجارب التي رافقت حملات الدخول المدرسي، إن نجاح المبادرة لا يرتبط بعدد المحافظ التي تُجمع فقط، بل بقدرتها على خلق مشاركة واسعة داخل المجتمع؛ فرب العمل يمكن أن يتكفل بعدد من الحقائب. وصاحب المكتبة يمكن أن يساهم بالأدوات. ورب الأسرة يمكن أن يشتري مجموعة دفاتر. والشاب يمكن أن يخصص وقته للمشاركة في الفرز، والتوضيب، والتوزيع، وبذلك يصبح لكل شخص مكان داخل الحملة مهما كان حجم مساهمته.
وفي الأحياء الشعبية تحديدا يمكن هذا النوع من المبادرات أن يكتسب بعدا اجتماعيا أكبر، هذا ما أكده سامي فروخي عضو بجمعية غيث، الذي أكد أن سكان الحي يكونون في كثير من الأحيان الأكثر معرفة بظروف بعضهم. وقد يعرفون الأسرة التي فقدت معيلها، أو الطفل الذي يعيش مع جدته، أو العائلة التي تواجه مصاريف علاج مرتفعة، أو الأب الذي فقد عمله ولا يستطيع تجهيز أبنائه كما كان يفعل سابقا، لذلك تصبح المبادرات المحلية أكثر قدرة على الاقتراب من الحالات الحقيقية عندما تكون منظمة، وتتمتع بالثقة. ويؤكد فروخي أن هذا يعني أن الجمعيات لا تستطيع وحدها معالجة الفوارق الاجتماعية؛ فالمساعدة الموسمية تظل محدودة أمام تحديات أكبر، لكنها في المقابل، تؤدي دورا مهما في تخفيف عبء محدد في وقت محدد. وتمنح الطفل فرصة بدء عامه الدراسي دون أن تكون ظروف أسرته حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل يومه الأول.