أعراس عنابة الصيفية
مظاهر البذخ والتبذير تغرق مكبات القمامة
- 133
ق. م
تتنوع الأفراح بمدينة عنابة وما جاورها، خلال فصل الصيف، حيث تتميز أعراس بونة وكذلك حفلات الختان والنجاح، بالتنويع في الأكلات، والتشكيلات الخاصة بكل مائدة، فرغم غلاء المعيشة، إلا أن ذلك لم يبعد العائلات عن البذخ الذي تحول إلى تبذير، فتجد أغلب مكبات القمامة مملوءة عن آخرها بالمأكولات المختلفة، خاصة عند إقامة عرس. هذه الظاهرة الميدانية، التي تتكرر مع كل موسم صيفي، باتت تطرح أكثر من علامة استفهام حول سلوكيات الاستهلاك المتزايدة، ومدى قدرة العائلات على التوفيق بين إكرام الضيف، والحفاظ على الميزانية والقدرة الشرائية.
تتميز قاعات الأفراح في أحياء عنابة ومحيطها، بمنافسة قوية بين العائلات، لإبراز الجود والرفاهية خلال إعداد الموائد. وتتنوع الأطباق المقدمة للمدعوين بداية من السلطات والمقبلات المختلفة، مرورا بالأطباق الرئيسية الغنية بشتى أنواع اللحوم الحمراء والبيضاء، وصولا إلى أطباق الحلويات التقليدية والعصرية والمشروبات المتنوعة. والمشكلة الأساسية، لا تكمن في تقديم أفضل ما تجود به المنازل العنابية، بل في إعداد وسكب كميات هائلة من الطعام، تتجاوز بكثير طاقة الحاضرين، مما يجعل مصير عشرات الكيلوغرامات من الوجبات الصالحة في أكياس القمامة، الملقاة أمام القاعات وفي شوارع الأحياء.
وفي انطباعات رصدها مواطنون بالمدينة، يُرجع العديد منهم تفاقم هذه الظاهرة، إلى ثقافة "المباهاة" والتفاخر الاجتماعي، التي أصبحت تضغط على العائلات، حتى محدودة الدخل منها. فالكثير من الأسر تقع تحت تأثير الأعراف القديمة، والرغبة في إظهار الحفل بأبهى صورة وأرقى مظهر، حتى لو كان ذلك عبر استدانة الأموال، وبيع المجوهرات، أو تحمل أعباء مالية تفوق قدراتها الحقيقية. ويرى المهتمون بالشأن المحلي، أن هذا البذخ المفرط يمثل إهدارا واسعا للميزانية وإفراغ الجيوب، ناهيك عن المشاهد المزعجة التي تسببها تراكمات الفضلات في المحيط العمراني، خلال أيام الحر الشديد.
ولا يقتصر هذا السلوك على الأعراس الكبرى فقط، بل امتد ليشمل حفلات الختان واحتفالات النجاح في شهادتي البكالوريا والتعليم المتوسط، ناهيك عن المناسبات العائلية الأخرى، التي أصبحت تقام بكثرة في الصيف؛ كحفلات استقبال ازدياد مولود جديد وإقامة العقيقة، أو مآدب الإطعام الاحتفالية، المقامة بمناسبة عودة للحجاج والمعتمرين من البقاع المقدسة. فهذه المناسبات الدينية والاجتماعية، التي يفترض فيها الالتزام بالبساطة وتأكيد معاني الشكر والبركة، تحولت هي الأخرى، في كثير من الأحيان، إلى فضاءات للتنافس في تقديم أفخر موائد الحلويات والمأكولات المختلفة، والتي ينتهي جزء كبير منها في سلات المهملات، بعد انتهاء الحفل مباشرة. كما يظهر هذا الاستهلاك غير المنظم بوضوح، في الفضاءات السياحية والشواطئ العنابية، حيث تتسبب عمليات الشراء المفرط للمواد الغذائية والفواكه، في تلف كميات كبيرة منها تحت أشعة الشمس الحارقة، قبل استهلاكها.
وفي المقابل، بدأت تظهر بالمدينة، مبادرات جمعوية ووعي شبابي، يسعى إلى الحد من هذه الظاهرة وتقليل أضرارها البيئية والأخلاقية؛ إذ تنشط بعض الجمعيات الخيرية، بالتنسيق مع القائمين على قاعات الأفراح، لتجميع الوجبات الزائدة فور انتهاء السهرات والمآدب، ثم إعادة توضيبها وفق شروط صحية صارمة وتوزيعها المباشر على العائلات المعوزة، عمال النظافة وحراس الليل. وحتى مراكز خاصة، وتعتبر هذه الخطوة العملية حلولا ميدانية، تجمع بين التكافل الاجتماعي والحفاظ على الأكل من التبذير.
يُعكس هذا التحدي الصيفي بمدينة عنابة، أهمية التوعية المستمرة بضرورة ترشيد الاستهلاك، وإعادة النظر في بعض المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالأفراح. فالصيف يجب أن يظل موسما للبهجة وتوطيد العلاقات العائلية، وليس فرصة لإهدار الطاقات وإتلاف الخيرات. وإن العودة إلى ثقافة الاعتدال، تعتبر المدخل الأساسي للحفاظ على أصالة الأعراس العنابية وجمالها، بما يضمن الاستمتاع ببهجة الأفراح، دون أضرار مالية أو بيئية تعكر صفو هذه المناسبات والأفراح.