متطوعون في قلب الأزمات
من دفء التضامن إلى وعي الميدان وإنجاح المهام
- 237
نور الهدى بوطيبة
حين تضيق مساحة الأمل تتسع مساحة التضامن!. ففي اللحظات التي تهتز فيها حياة الإنسان بفعل حريق أو فيضان أو كارثة مفاجئة، يظهر في المجتمع وجه آخر لا تصنعه القوانين ولا تفرضه الظروف، بل تصنعه الرغبة في مد اليد للآخر، والمساعدة دون مقابل، فيحمل شخص صندوقا من المواد الغذائية، ويتكفل آخر بنقل عائلة الى مكان آمن، فيما يفتح مواطن بيته للمتضررين، ويتطوع آخر لساعات طويلة في جمع المساعدات، وفرزها وتوزيعها، في مشاهد تتكرر كلما حلت الأزمات، لتكشف أن روح التضامن وسط الجزائريين لاتزال حاضرة بقوة، وأن كل فرد يبحث عن وسيلة لمساندة غيره عندما تعجز الكلمات عن وصف حجم المأساة وألم المعاناة.
وفي خضمّ حرائق الغابات التي شهدتها عدة مناطق مؤخرا، برزت مبادرات فردية وجماعية من ربوع الوطن، حاولت الوصول الى العائلات المتضررة، وتوفير ما تحتاجه من مواد غذائية، وملابس، وأدوية، ومستلزمات. كما توجه متطوعون الى المناطق المتضررة دون تردد؛ للمساهمة في عمليات الإغاثة والمساعدة. لكن الرغبة الصادقة في المساعدة لا تعني دائما أن الطريقة المتبعة هي الأفضل؛ ففي الكوارث تصبح السرعة مهمة، لكن التنظيم يصبح أكثر أهمية؛ لأن المساعدة التي لا تصل الى المكان المناسب أو تصل في الوقت الخطأ أو تقدَّم من دون معرفة بالحاجة الحقيقية، قد تفقد جزءا كبيرا من قيمتها. وقد تتحول في بعض الحالات، إلى عبء إضافي على المتضررين، وفرق الإنقاذ.
وهنا يظهر وجه آخر للعمل التطوعي؛ وجه لا يرتبط فقط بعدد الأشخاص الذين تسارعوا إلى الميدان، ولا بحجم التبرعات التي جُمعت، بل بمدى قدرة المتطوع على معرفة دوره، وحدود مهمته، والتعامل مع الظروف الاستثنائية، واحترام تعليمات فرق الإنقاذ، والتنسيق مع الجهات التي تتولى إدارة الأزمة. وهي أمور أصبحت تحظى باهتمام متزايد في العمل الإنساني الدولي؛ لأن الاستجابة الفعالة للطوارئ تحتاج الى متطوعين مدربين، وإلى أدوار واضحة، وتنسيق مسبق، وتدابير لحماية المتطوعين، ودعمهم لا مجرد تبرع؛ جمع وتطوع عفوي عند وقوع الكارثة.
وحول هذا الموضوع تحدّث إلـى “المساء” موسى بادري المكلف بالاتصال لدى جمعية بوادر خير والمشارك بالقوافل التضامنية نحو الولايات المتضررة، الذي يرى أن التطوع في الأزمات يحمل قيمة إنسانية كبيرة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه، إلى وعي وتكوين؛ لأن المتطوع قد يجد نفسه في مواجهة وضع لم يسبق له التعامل معه، وقد تكون رغبته في المساعدة أكبر من قدرته على تقدير المخاطر أو معرفة الطريقة الصحيحة للتدخل؛ ما قد يعرضه للخطر، ويعرّض من يرغب في مساعدتهم، لخطر أكبر، ولذلك فإن التكوين، حسب محدث “المساء”، لا يقل أهمية عن الحماس الذي قد يقود الى انفعال غير واع، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالكوارث، والحوادث التي تتطلب سرعة في التصرف، ودقة في اتخاذ القرار؛ لرفع فرص النجاة.
ويضيف بادري أن المتطوع في الظروف العادية يمكنه أن يتعلم تدريجيا من خلال النشاط الجمعوي، لكن الوضع يختلف كثيرا عندما تقع كارثة؛ فالميدان لا يسمح بالتجربة والخطأ. والوقت يكون محدودا. والاحتياجات متعددة. وقد يكون أمام المتطوع أشخاص مجروحون، أو فاقدون للوعي، أو آخرون فقدوا منازلهم أو مصادر رزقهم، أو أحد أفراد عائلاتهم، وهو ما يتطلب منه أيضا القدرة على التعامل مع الجانب الإنساني للكارثة وليس فقط بالتدخل للإنقاذ، أو جمع المواد وتوزيعها؛ فالكلمة وطريقة الاقتراب من المتضرر واحترام خصوصيته وكرامته، يمكن أن تكون جزءا من المساعدة نفسها.
وأشار الى أن التدريب لا يهدف فقط الى تعليم المتطوع بعض المهارات، بل الى تحويل الحماس الى قدرة عملية، من خلال المعرفة بالسلامة، والإسعافات الأولية، والتعامل مع المخاطر، وقواعد السلوك، والتواصل، وتحديد الأدوار. كما إن وجود مدربين ومشرفين وأصحاب خبرة يساعد على بناء ثقافة تطوعية أكثر استدامة وقدرة على التعامل مع الأزمات، وعليه لا بد من الانتقال من مفهوم التطوع القائم على رد الفعل، الى ثقافة تطوع أكثر استعدادا، يعرف فيها الشخص قبل وقوع الأزمة ماذا يستطيع أن يقدّم، ومتى يتدخل، ومتى يترك المجال للمتخصصين، وكيف يحمي نفسه، ويحترم خصوصية المتضررين، وكيف يعمل ضمن فريق بدل أن يتحرك بشكل منفرد.
وأكد المحدث أن المتطوعين المحليين؛ أي من المناطق المتضررة والمتطوعين الذين يظهرون بشكل عفوي عند وقوع الكوارث، يمكن أن يكونوا من أوائل المستجيبين، وأن وجودهم داخل المجتمع يمنحهم معرفة سريعة باحتياجات الناس، ومواقعهم. لكن هذه النقطة الإيجابية تحتاج الى تنسيق؛ حتى لا تتحول كثرة المتطوعين إلى فوضى، مشيرا الى ضرورة وضع آليات واضحة للتنسيق بين المتطوعين وبقية الجهات المتدخلة؛ لأن المتطوعين غير المختصين يحتاجون الى أدوار محددة، وتوجيه ومتابعة خلال عمليات الإغاثة.
ومن بين أكثر المشاكل التي يمكن أن تظهر في الأزمات، يشدد بادري، تدفق المساعدات دون وجود صورة دقيقة عن الاحتياجات؛ فقد تصل كميات كبيرة من بعض المواد، في وقت تكون الحاجة الحقيقية موجهة الى مواد أخرى، أو تتكدس التبرعات في نقطة معيّنة. وقد تتعرض للإتلاف، بينما تبقى مناطق أخرى بحاجة الى الدعم؛ لذلك أصبحت عمليات تقييم الاحتياجات وتحديد الأولويات جزءا أساسيا من إدارة الأزمات؛ لأن الهدف من التضامن ليس فقط جمع أكبر كمية ممكنة من المساعدات، بل ضمان وصول المساعدة المناسبة الى الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب.
كما إن المتطوع نفسه ليس خارج دائرة الخطر، يؤكد عضو الجمعية؛ فالشخص الذي يدخل منطقة منكوبة قد يتعرض للحرارة، والدخان، والإرهاق والحوادث. وقد يشاهد مشاهد صعبة، أو يعيش ضغطا نفسيا نتيجة الاحتكاك المباشر بالضحايا، وعليه فإن سلامة المتطوعين ودعمهم النفسي يجب أن تكون جزءا من نظام التدخل للمساعدة، والاستجابة. كما إن المتطوعين من داخل المناطق المتضررة قد يجدون أنفسهم في وضع مزدوج، فهم يساعدون الآٌخرين بينما يواجهون هم أيضا، خسائر، أو مخاوف شخصية.
ولا ينتهي دور المتطوع بمجرد انتهاء عملية توزيع المساعدات، يردد محدث "المساء"؛ فالعمل الإنساني الحقيقي يبدأ أحيانا بعد أن تهدأ الأزمة، عندما تقل الكاميرات، ويتراجع اهتمام الناس، بينما تبقى العائلات أمام مهمة إعادة ترتيب حياتها، ولهذا فإن التطوع لا ينبغي أن يكون مرتبطا فقط بلحظة الكارثة، بل يمكن أن يمتد الى المرافقة الاجتماعية، وتوجيه المتضررين نحو الخدمات المتاحة، والمساهمة في إعادة البناء، والصيانة داخل المجتمع، ومساندة الفئات الأكثر هشاشة.