قلعة لتخريج المصلحين والمفكرين والإطارات

“الكتاتيب”.. دور فاعل في تكوين الأجيال

“الكتاتيب”.. دور فاعل في تكوين الأجيال
  • 297
وردة زرقين وردة زرقين

تُعد “كتاتيب” تحفيظ القرآن، جزءا من الشخصية الوطنية، أنشئت لتلقين كتاب الله وبعض المتون، ولازمت القرآن الكريم قراءة وتعلما وحفظا، وقد لعبت دورا رائدا في تثقيف الفرد الجزائري وتعليمه قيم دينه ومبادئه، حيث تلقى فيها الطفل مبادئ القراءة، والحروف الهجائية، وحفظ 60 حزبا، ناهيك عن تزويد الطفل برصيد لغوي وتربية أخلاقية ودينية، فكانت من أسباب التفوق والنجاح، كما حاربت الجهل والتنصير أثناء فترة الاحتلال، وأنجبت الكثير من العلماء وإطارات الدولة.

كانت الكتاتيب ولا تزال، تلعب دورا فعالا في المحافظة على اللغة العربية واستقامة اللسان العربي، لاسيما أن تعلم القرآن يساعد على طلاقة اللسان وتوسيع العقل، حيث وصلت بالطالب إلى مراحل متقدمة في التحصيل العلمي، كما كان لها دور كبير في مساعدة الطفل على حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وإتقان الكتابة والخط، والالمام بمبادئ العربية، ومبادئ الحساب الأولية.

كانت مدارس تحفيظ القرآن أو “الزوايا” منتشرة بكثرة في ولاية قالمة، كما في الجزائر كلها، حاربت التنصير والجهل، وأنجبت الكثير من العلماء والمجاهدين وإطارات الدولة، وكان أفراد المجتمع الجزائري قديما، يستقدمون معلم القرآن من قرى وأماكن نائية لتعليم أبنائهم، فكان ناس قالمة، يحرصون على إرسال أبنائهم لتعلم القراءة وحفظ القرآن الكريم والكتابة والحساب، وكان الطفل يرسل إلى “الكتاب” القريب من منزله وهو صغير السن، وبالرغم من بساطة التعليم فيها، الذي يقوم على أدوات تقليدية، حيث يفرش “الكتاب” وهو عبارة عن غرفة واسعة متواضعة الفرش والأثاث، تتسع لعدد من الأطفال، حيث يجلسون محلقين حول المعلم، حاملين الألواح والأقلام، بينما يجلس المعلم على كرسي أو مصطبة مفروشة ببساط صغير، وأول ما يلتزم به طالب العلم في هذه “الكتاتيب”، هو طريقة الجلوس، وهي موحدة بين كل الطلاب، وتكون مباشرة على الأفرشة لا على الكراسي، وفيها تقوم القراءة، وتكون الكتابة على لوح مصنوع من الخشب.

وعادة ما كان الطفل يبدأ يومه الدراسي بحفظ حزب من القرآن الكريم، وبعد أن يحفظه يبدأ بالنسخ والكتابة والتمرن على تجويد الحفظ، ثم يقرأ ويكتب إلى حين الانصراف إلى أهله، يكون حينها، حفظ بعضا من القرآن الكريم، وفي حالة توبيخ ومعاقبة الأطفال، كان معلمو القرآن الكريم يقومون بضرب الطفل على الرجلين باستعمال عصا يسمى هذا العقاب بـ«الفَلاَقَة”، وهي طريقة لتهذيب وتنشئة الطفل، تتمثل في ضرب طالب العلم تحت القدمين من طرف الشيخ بطريقة خفيفة، ويدل هذا العقاب على حرص الشيخ على الآداب العامة التي يجب أن يلتزم بها الحافظ لكتاب الله، ويكون العقاب عادة في حالات نادرة، عند التشويش أو التأخر عن مجالس العلم أو النطق فيها بكلام قبيح، ونشير إلى أن جل شيوخ القرآن كانوا لا يتقاضون أموالا، وتخرج على أيديهم الكثير من العلماء والأدباء والمفكرين.

بعد تسعينيات القرن الماضي، تراجع دور الكتاتيب، وعلى الأرجح تم غلقها وعرقلة مسيرتها في مرحلة ما تحت مبررات واهية، مما أثر سلبا على التعليم في بلادنا، كما أن وسائل التطور التكنولوجي أثرت سلبا على نشاط “الكتاتيب”، وأصبح الأولياء يفضلون دور الحضانة على “الكتاتيب”، وكاد المجتمع ينسى دورها في تثقيف الفرد وتعليمه قيمه ومبادءه، كما أن توجهه وإقباله على الحياة المعاصرة المادية، أفقده كثيرا من روحانياته، وعاداته وتقاليده ومبادئه، إذ أصبحت “الكتاتيب”، قاب قوسين أو أدنى من الزوال، ورغم أنها حلت محلها مدراس قرآنية تقوم على طرق جديدة، وتسير وفق برامج حديثة، عكس ما كانت عليه في الماضي، فإن عامة الناس يرون أن العودة إلى الكتاتيب، خاصة في فصل الصيف والعطلة الصيفية التي تقارب ثلاثة أشهر، هي الحل الأمثل في تجديد مناهج المدارس، ودمجها في النظام التعليمي، لتنشئة جيل متشبع بالقيم الإسلامية، وحفظ القرآن الكريم، والمتون اللغوية والعلوم الشرعية، إذ تزود الطالب بالثروة اللغوية والفصاحة وتعلمه أساليب التعبير، بالتالي، وضع خطة وطنية تهدف إلى فتح مصلحة الكتاتيب وتعليم القرآن الكريم، من أجل البعث والإحياء الفعلي لنظام التعليم في الجزائر.