حمى المونديال بين المتعة والخطر

90 دقيقة من الإثارة والانفعال قد يدفع ثمنهما القلب والدماغ

90 دقيقة من الإثارة والانفعال قد يدفع ثمنهما القلب والدماغ
  • 147
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

في كل مرة يقترب فيها المونديال أو المباريات الحاسمة، حيث تشتد المنافسة في البطولات الكروية الكبرى، تتحول الملاعب والشاشات إلى مصدر هائل للحماس والمتعة والترقب، وتتحمل جرعات كبيرة من الإثارة والتشويق بين ملايين المشجعين، الذين يعيشون تفاصيل المباريات لحظة بلحظة، يتابعون فرقهم المفضلة ويشاركون أفراح الانتصارات وأحزان الهزائم بحماس، يتواصل قبل، خلال وبعد المباراة، هذه الأجواء الاستثنائية تجعل الرياضة أكثر من مجرد لعبة، فهي مناسبة تجمع العائلات والأصدقاء وتوحد المشاعر حول شغف واحد، غير أن الوجه الآخر لهذه الإثارة، ليس بنفس المتعة، فخلف لحظات الفرح والتشويق تختبئ مخاطر صحية ونفسية، قد تهدد صحة المشجعين، خاصة من يعانون أمراضا مزمنة أو مشاكل في القلب، وكل من يبالغ في الانفعال والسهر واستهلاك المنبهات.

تلك الإثارة التي تجذب الملايين، تجعل المشجعين يعيشون دقائقها وكأنهم داخل أرضية الملعب، بين فرحة تسجيل الأهداف، وقلق الإصابات، البطاقات التي يسحبها الحكم، تغيير اللاعبين، ضربات الجزاء، وغيرها من الأحداث، إلى مرارة في المشاهدة، خوفا من الهزيمة، لترتفع حينها مستويات التوتر والانفعال إلى درجة قد لا يدرك الكثيرون حجم تأثيرها على صحة الإنسان، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمقابلات المصيرية، إذ تحبس حينها الأنفاس حتى اللحظات الأخيرة، مهددة بذلك صحة الدماغ والقلب.

بالرغم من أن المتابعة الرياضية ومشاهدة المباريات، تعد وسيلة للترفيه ومشاركة المتعة مع الأصدقاء والعائلة وكسر روتين الحياة اليومية، إلا أن بعض المشجعين يحولونها إلى "دراما" حقيقية، ويتحولون خلال هذه المواجهات إلى ضحايا القلق، السهر والانفعال المفرط طيلة أيام المباراة، وهي عوامل تترك انعكاسات صحية ونفسية خطيرة، لفئة تندمج بشكل كبير مع مجريات اللقاءات، من كبار السن، شباب وحتى نساء.

حول هذا الموضوع، أكد لـ"المساء"، إيدير اكسيل، طبيب عام لدى مصلحة الطب الجواري ببلدية برج البحري، أن الانفعال الشديد المصاحب للمباريات الكبرى، ليس أمرا بسيطا، كما يعتقد الكثيرون، بل يمكن أن يؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات صحية خطيرة، مضيفا أن الجسم يتفاعل مع التوتر الرياضي، كما يتفاعل مع أي ضغط نفسي قوي، حيث ترتفع نسبة هرمونات التوتر في الدم، ويزداد معدل نبضات القلب، ويرتفع ضغط الدم بشكل مفاجئ، وهو ما قد يشكل خطرا على الأشخاص الذين يعانون أمراض القلب والشرايين أو ارتفاع الضغط.

أوضح الطبيب، أن بعض المشجعين يعيشون المباريات بعاطفة مفرطة، تجعلهم يدخلون في حالة من القلق والتوتر المستمر قبل اللقاء، أثناءه وبعده، خاصة خلال المباريات الحاسمة وركلات الترجيح، هذا التوتر قد يسبب في مراحله الأولى، صداعا حادا واضطرابات في النوم، ليصل إلى ارتفاع في ضغط الدم وتسارع في نبضات القلب وارتفاع في مستويات السكر في الدم، وقد يصل الأمر في بعض الحالات، إلى التعرض لأزمات قلبية أو سكتات دماغية لدى الأشخاص الأكثر عرضة للمخاطر.

أشار الدكتور إيدير اكسيل، إلى أن ما يميز مونديال هذا العام، أنه منظمة يتم في دول يختلف فيها الوقت عن باقي المعمورة، أي وجود فارق كبير في الساعات، إذ أن مجريات بعض المباريات تكون في أوقات جد متأخرة من الليل، وقد ينجم عن السهر المتكرر لمتابعتها مشكلة صحية لا تقل خطورة، خصوصا عندما تتواصل المباريات إلى ساعات متأخرة من الليل، فقلة النوم تؤثر على التركيز والمزاج، وتُضعف الجهاز المناعي وتزيد من مخاطر أمراض القلب والسكري على المدى البعيد، كما أن الحرمان من النوم يضاعف الشعور بالتوتر، ويجعل الجسم أقل قدرة على التعامل مع الضغوط النفسية.

ولفت المتحدث، إلى أن الكثير من المشجعين يقعون أيضا في عادات غير صحية، خلال فترات المنافسات الكبرى، في تناول الوجبات السريعة والمشروبات الغنية بالكافيين، ومشروبات الطاقة والتدخين لساعات طويلة أمام الشاشات، وهذه السلوكيات عند اجتماعها مع التوتر والسهر، ترفع من احتمالات حدوث مضاعفات صحية، قد تكون خطيرة لدى بعض الأشخاص، وتهدد سلامتهم.

وأكد الطبيب، أن مصالح الاستعجالات سبق لها وأن سجلت بالفعل، العديد من الإصابات والحالات الصحية الخطيرة وحتى الوفيات، خلال هذا النوع من المنافسات سابقا، والتي ارتبطت بحالات انفعال شديد خلال مباريات كبرى، سواء بسبب أزمات قلبية مفاجئة أو ارتفاع حاد في ضغط الدم، أو مضاعفات ناجمة عن التوتر المفرط، لذلك لا ينبغي الاستهانة بتأثير المشاعر القوية والانفعالات الشديدة على صحة الإنسان، مهما بدا الأمر مجرد متابعة رياضية.

ونصح الدكتور إيدير اكسيل، المشجعين، بالحرص على متابعة المباريات في أجواء هادئة قدر الإمكان، مع تجنب السهر المفرط والإكثار من المنبهات، والحفاظ على نظام غذائي متوازن، وعدم الانسياق وراء التوتر الزائد، كما دعا المرضى، الذين يعانون مشاكل قلبية أو ارتفاع في ضغط الدم أو اضطرابات صحية مزمنة، إلى استشارة أطبائهم والالتزام بالعلاج وعدم تجاهل أي أعراض غير طبيعية، قد تظهر خلال المباريات، مشددا على أن الرياضة تبقى مجرد لعبة، وجدت للمتعة والتسلية، وليس للمغامرة بالصحة، وقال بأن بعض الأشخاص الذين يعانون حالات صحية حساسة، قد يكون من الأفضل لهم تجنب متابعة بعض المباريات شديدة التوتر، أو متابعتها بطريقة تقلل من الانفعال إذا كان ذلك يشكل خطرا مباشرا على صحتهم.