حملة لتطهير غابات تيبازة من "القنابل الموقوتة"
العثور على كميات كبيرة من العجلات المطاطية مهملة
- 307
كمال لحياني
في تحرك استباقي لمواجهة موسم الحرائق، كشفت محافظة الغابات لولاية تيبازة عن عملية نوعية، تمثلت في العثور على كميات معتبرة من العجلات المطاطية، كانت مخبأة في أعماق الفضاءات الغابية؛ في مشهد يعيد إلى الأذهان كارثة "الخميس الأسود" التي أتت على مساحات شاسعة من الغابات، ومساحات شاسعة من المحاصيل الزراعية بالولاية.
وأسفرت دوريات المراقبة المكثفة لأعوان محافظة الغابات، عن رصد كميات من العجلات المطاطية للسيارات موزعة على حدود غابة الدولة “بوحمو”، وداخلها، وتحديدا على مستوى جبل قرواط بأعالي بلدية مراد، بالإضافة إلى مناطق "تشالابي" ببلدية سيدي راشد، ومحيط الضريح الملكي الموريتاني الأثري، وسفوح جبل “شنوة” بإقليم بلدية تيبازة. وجاء هذا الاكتشاف في إطار الدوريات الرقابية التي تشنها المصالح المختصة خلال فترة الذروة الحرجة لموسم الصيف؛ حيث تم رفع هذه المخلّفات فورا، ونقلها إلى مركز الردم التقني للنفايات بسيدي راشد، في عملية تؤكد اليقظة الميدانية لأعوان الغابات.
ولم تقتصر قراءة المصالح المعنية للحادثة على كونها مجرد سلوك غير حضاري، بل صنفتها “جريمة بيئية” مكتملة الأركان، تمس المصلحة العامة على أكثر من صعيد. فالعجلات المطاطية المصنفة ضمن النفايات شديدة الاشتعال، تمثل - حسب الخبراء - "قنابل موقوتة"، قادرة على تحويل شرارة صغيرة إلى حريق مدمّر، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف الذي يضرب المنطقة.
وقد أكدت محافظة الغابات أن الاعتداء على الملك العمومي الغابي لم يعد مجرّد مخالفة يمكن التهاون فيها، بل هو اعتداء على الحق الوطني، وحق الأجيال القادمة في بيئة سليمة. وشددت على أن فرق الرقابة ستعمل بالتنسيق مع الجهات القضائية، على تسخير جميع الوسائل التقنية والبشرية، لتحديد هوية المتورطين، وضبطهم، وتطبيق أقصى العقوبات القانونية في حقهم دون أي تهاون.
جهود لمحو ذاكرة أليمة
تأتي هذه الحملة في ظل حساسية استثنائية؛ فولاية تيبازة ليست غريبة عن حرائق الغابات المدمرة. ففي 13 جويلية الماضي شهدت المنطقة حرائق "الخميس الأسود" التي التهمت 191 هكتار من المساحات الغابية والأشجار المثمرة، وأجبرت العائلات على النزوح إلى مراكز الإيواء. وقد خسر المزارعون آنذاك، آلاف الدواجن، ومحاصيل الزيتون، والتين واللوز، فيما تدخلت السلطات لتقديم تعويضات للمتضررين. هذه الذاكرة الأليمة تمنح حملة تنظيف الغابات من العجلات المطاطية، أبعادا وقائية استباقية، لا سيما أن المصالح المعنية سجلت خلال الموسم الفارط، اندلاع 134 حريق في تيبازة، أتلفت 400 هكتار من المساحات الغابية والأدغال.
منظومة وطنية متكاملة للوقاية
تندرج حملة تيبازة ضمن استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة حرائق الغابات، تعكسها إجراءات اللجنة الوطنية لحماية الغابات لعام 2026 التي تم تنصيبها مؤخرا خاصة بعد الحرائق التي شهدتها ولاية جيجل وبعض الولايات الشرقية، حيث تم تعديل توقيت موسم مكافحة الحرائق، ليبدأ في الأول من ماي بدلا من جوان ويمتد إلى نهاية نوفمبر؛ نظرا لاستمرار الظروف المناخية الملائمة لاندلاع النيران. وكشفت المعطيات الرسمية المتوفرة عن نجاح المقاربة الاستباقية التشاركية، إذ لم تتجاوز المساحة الإجمالية المحترقة في الجزائر خلال سنة 2025، 5289 هكتار بانخفاض يقارب 90 بالمائة مقارنة بالمعدل المسجل خلال العقد الماضي الذي كان يفوق 40 ألف هكتار سنويا.
التكنولوجيا في خدمة الغابات
ولتعزيز هذه النتائج تعتمد الجزائر على التكنولوجيا الحديثة، حيث تم تخصيص 140 طائرة دون طيار (درون)، لرصد بؤر الحرائق في مراحلها المبكرة خلال موسم 2026، بالإضافة إلى الاستفادة من صور الأقمار الصناعية بالتنسيق مع وكالة الفضاء الجزائرية، واستخدام نظم المعلومات الجغرافية لتحليل المخاطر، وتوجيه عمليات التدخل. ويشمل الجهاز العملياتي أيضا، 544 فرقة تدخّل أولي، و40 رتلا متنقلا، وأكثر من 510 برج مراقبة.
وفي ظل هذه الجهود الرسمية، تؤكد محافظة الغابات بتيبازة أن المراقبة الشعبية تُعد خط الدفاع الأول في مواجهة التعديات على الغابات، داعية جميع المواطنين إلى التبليغ الفوري عن أي تصرفات مشبوهة عبر الرقم الأخضر (1070)، ومشددة على أن حماية الغابات لم تعد مهمة المؤسسات وحدها، بل أصبحت واجبا وطنيا جماعيا، يتطلب تضافر جهود المواطنين، وغرس ثقافة بيئية سليمة لدى الأجيال الصاعدة.