رهان على تنويع صيغ الإيواء ودعم الإقامة لدى الساكنة
مبادرات جادة لاستغلال المقومات السياحية بباتنة
- 152
عبد السلام بزاعي
تشهد ولاية باتنة حركية سياحية متصاعدة بفضل مقوماتها التي تجمع مختلف أنماط السياحة، وعلى رأسها السياحة التاريخية المتعلقة بالذاكرة الوطنية، والسياحة الثقافية الأثرية والطبيعية، ترافقها مساع جادة من السلطات المحلية عبر عدة مبادرات؛ منها تنويع صيغ الإيواء السياحي، وتدعيم صيغة الإقامة لدى الساكن.
تشكل السياحة بباتنة قطاعا اقتصاديا اكتسب كثيرا من الأهمية في مجال صناعة السياحة ككل، التي تفتح فرص الاستثمار السياحي بالمنطقة، من خلال الأنشطة المتنامية التي يمكن أن تخلقها السياحة ولو طالت يد الإنسان وعبث الطبيعة بأسرارها دون النيل من سحرها، بعدما صارت وسيلة فعالة في ركن التعارف الحضاري بين الشعوب، وجسرا لا يجذب سوى حركة الاستثمار.
نماذج لمقومات سياحية داعمة للاستثمار
تزخر باتنة بمعالم سياحية وأثرية، لو استُغلت بشكل جيد لحوّلت المنطقة إلى قِبلة، ومنطقة جذب سياحي للزوار من كل حدب وصوب في ظل وجود مكملات سياحية لما تزخر به المنطقة من أماكن في مقام المدينة الأثرية "ثاموقادي" ، وضريح "إمدغاسن"، وشرفات "غوفي" التي تعدت شهرتها حدود الوطن، والتي هي حقيقة، آية في جمال الطبيعة، وروعتها، وهبة السماء للأرض، حيث تمثل تراثا سياحيا، وما يحمله من دلالات الماضي وأصالته، والاستمتاع بسحر المنطقة بموقعها الاستراتيجي في عمق الأوراس.
ومن أهم هذه المعالم السياحية شرفات "غوفي"، التي صنعت من السياحة حرفة، تعبّر بكل صدق عن حضارة تنام في أقبية روح شرفاتها، التي تشكل حقلا للبحوث، على غرار باقي المناطق الأثرية التي قال في شأنها "غروت": "لم يزل الباحثون يستكشفون مدنا تدهش أهل القرن العشرين". ومن المعالم التاريخية التي تستهوي السياح والمهتمين بالتاريخ، "غار أو شطوح"، وفيرمة "ليكا"، ونفق "ثاغيت" بتكوت، ومنطقة "إيفري لبلح" بغيسرة، و"دشرة أولاد موسى" ببلدية إشمول... وغيرها من المعالم التاريخية.
وتُعد شرفات "غوفي" نموذجا للمقومات السياحية بالأوراس الداعمة للاستثمار كلما وظفت ميزاتها لدعم الاستثمار السياحي بالولاية، بحكم موقعها في أقصى الجهة الجنوبية الشرقية لولاية باتنة، والتي تصنَّف من ضمن المواقع السياحية ذات الشهرة الوطنية والعالمية. هي قرية سياحية، مساكنها قديمة، وقلاعها عتيقة. وبُنيت مساجدها أثناء لجوء الباي إلى منطقة الأوراس في أعقاب الحملات العسكرية الفرنسية، ودورها في جلب السياح من كل حدب وصوب لتفعيل حركية النشاطين السياحي والاقتصادي.
وتمثل هذه الشرفات أهم المواقع السياحية التي حفظت للتراث هيبته، وجمعت بين الأصالة والعمران، لتعكس ثقافة السكان المحليين الذين يأوون المساكن الحجرية القديمة التي بنيت في أخدود بين مرتفعين صخريين، يتخللهما الوادي الأبيض. وفي أسفل الوادي تنتشر أشجار النخيل والزيتون. وتوجد حول محيط الشرفات جبال شامخات، ومضايق صخرية في غاية من الجمال الأخاذ، تقع على نحو 30 كلم من مدينة "آريس"، في منطقة قريبة جدا من حدود ولاية بسكرة وولاية باتنة. وتنتشر بالقرب منها بساتين الأشجار المثمرة، كالتين والزيتون والتفاح.
حَريَّة بالإشارة الجهودُ المبذولة لجعل شرفات "غوفي" الشهيرة نموذجا للسياحة بالأوراس، والتي يعود تاريخ بنائها إلى حوالي سنة 1900، وقلاعها العتيقة (آيث ميمون، وآيث منصور، وآيث يحيى) الضاربة في عمق التاريخ بنمطها العمراني الأصيل، الذي لا يمكن مصادفته، حسبما صرح بذلك لـ "المساء" قبل سنوات، المختص في علم الآثار علي قربابي، "إلا في جنوب تونس والمغرب، وهذه المنطقة من الأوراس".
حرص على تنظيم النشاط السياحي
دعما لهذه الجهود، دعت مديرية السياحة والصناعة التقليدية لولاية باتنة، مؤخرا، جميع وكالات السياحة والأسفار الناشطة عبر إقليم الولاية، الى الالتزام بأحكام المادة 27 من القانون رقم 99-06 المؤرخ في 4 أفريل 1999، والمتعلق بتحديد شروط ممارسة نشاط وكالات السياحة والأسفار، في إطار الحرص على التطبيق السليم للتشريع المنظم للنشاط السياحي، من خلال الاستعانة بالمرشدين السياحيين المعتمدين من قبل وزارة السياحة والصناعة التقليدية، عند تنظيم الزيارات السياحية للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية والمتاحف، قصد مراقبة السياح، وتقديم الشروحات والمعلومات اللازمة لهم.
وأوضح مدير السياحة بباتنة عبد الوهاب ممو، أن الجهود منكبة على ترقية السياحة بالولاية، من خلال استغلال نشاط 10 مساكن موزعة عبر 7 بلديات، خاصة في البلديات التي تشهد تدفقات سياحية لخصوصيتها؛ على غرار غوفي ببلدية غسيرة، ومنعة، وتيمقاد، مضيفا أن الجهود منكبة كذلك بالتعاون مع الجماعات المحلية، على تحسيس المهتمين بالسياحة، بالانخراط في هذه الصيغة التي تساهم في تحقيق مداخيل إضافية للعائلات، وتسويق المنتجات الفلاحية المحلية، فضلا عن نشاط 17 مؤسسة فندقية مصنفة من نجمتين إلى أربع نجوم، بطاقة إيواء تقدر بـ 1203 سرير، مع تشغيل 320 عامل مؤهل، فضلا على نشاط 141 وكالة سياحية.
رهان على 11 مشروعا سياحيا
يشهد قطاع السياحة بباتنة متابعة إنجاز 11 مشروعا سياحيا جديدا، حيث يُتوقع دخول 3 فنادق مرحلة الاستغلال قبل نهاية السنة الجارية. وهو ما سيساهم في تدعيم طاقة إيواء الحظيرة الفندقية بالولاية، واستحداث مناصب عمل مباشرة للشباب المؤهلين.
وفي إطار الاهتمام بالمورد البشري في العملية السياحية، بادرت وزارة السياحة والصناعة التقليدية بالتعاون مع وزارة التكوين والتعليم المهنيين، بتجسيد بروتوكول لتسوية وضعية المرشدين السياحيين غير المعتمَدين، وهو ما يُعد خطوة هامة من وزارة السياحة والصناعة التقليدية، لتسليط الضوء، والاهتمام بأهم عنصر بشري في الرحلة السياحية، وهو المرشد السياحي، الذي يُعد واجهة القطاع، ومساهمته، بصفة مباشرة، في تحقيق الجدب السياحي، من خلال استعمال تقنيات الإرشاد الحديثة، حيث تم في هذا الصدد مرافقة 57 مرشدا سياحيا كدفعة أولية للحصول شهادة المصادقة على المكتسبات عن طريق الخبرة المهنية، في انتظار حصولهم على بطاقة المرشد السياحي.
دورات تكوينية لممثلي الوكالات والجمعيات السياحية
قامت مصالح مديرية السياحة بباتنة خلال السنة الجارية 2026، بتنظيم دورات وورشات تكوينية لفائدة ممثلي وكالات السياحة والأسفار والفنادق والجمعيات السياحية، لتأهيل المورد البشري في الميدان السياحي، في تخصص اللغة الإنجليزية، لتطوير مهارات التواصل مع الوفود السياحية الأجنبية، من تأطير دكتورة من قسم اللغة الإنجليزية لكلية الآداب واللغات الأجنبية بجامعة باتنة 2 في إطار اتفاقية التعاون بين الهيئتين، في انتظار برمجة دورات أخرى في اللغة الإنجليزية، ومجال الإسعافات الأولية لفائدة المرشدين السياحيين خلال شهر سبتمبر 2026.
وفي إطار اليوم الوطني للذاكرة 8 ماي 1945، وعملا على ربط الأجيال الصاعدة بتاريخ بلادهم وتضحيات أجدادهم، نظمت المديرية رحلة سياحية تاريخية استكشافية لفائدة 50 تلميذا من الطورين المتوسط والثانوي، والأسرة الإعلامية، وممثلي ومتعاملي القطاع، إلى المعلم التاريخي "غار أوشطوح" ببلدية "تاكسلانت" ، الشاهد المادي على استشهاد 118 مدني أعزل خلال الثورة التحريرية المـجيدة.
15621 حرفي معنيّون بالإسهام في ترقية السياحة
أولت السلطات العمومية بباتنة أهمية خاصة لقطاع الصناعة التقليدية بالولاية، حيث يحصي القطاع نشاط 15621 حرفي مستفيد من عدة مرافق، على غرار دار الصناعة التقليدية (مدرسة التكوين وتحسين المستوى)، ومركز الامتياز للحلي والمجوهرات ببلدية باتنة، ومركز تثمين المهارات ببلدية تيمقاد، فضلا على دخول مركز الصناعة التقليدية ببلدية "آريس" ، مرحلة الاستغلال قبل نهاية السنة الجارية. وهي فضاءات لفائدة الحرفيين للمعارض، وتأهيلهم، وتطوير مهاراتهم.
كما قامت المديرية بتنظيم عدة معارض للحرفيين خلال سنة 2026 عبر عدة بلديات، آخرها مشاركة 18 حرفيا في معرض بموقع "تيمقاد" الأثري على هامش تنظيم المهرجان الثقافي الدولي "تيـمقاد"، من 9 إلى 13 جويلية 2026. كما استفاد عدة حرفيين بالولاية من الدورة التكوينية الوطنية في تسويق المنتجات التقليدية الجزائرية باللغة الإنجليزية.
22189 أجنبي زاروا المواقع الأثرية بباتنة
تولي السلطات الولائية بباتنة اهتماما خاصا لقطاعات السياحة والصناعات التقليدية؛ تجسيدا لبرامج الدولة التي خصصت ضمن البرامج المختلفة، مبالغ مالية وُصفت بالمهمة لإنعاش القطاع الذي يشترك في دعم الموروث التاريخي الحضاري للمنطقة التي تزخر بمعالم تاريخية وسياحية، من شأنها تحويل المنطقة الى قِبلة للسياح، ومن ثمة جعلها أهم مورد اقتصادي.
ودعماً لهذا المسعى، تشير إحصائيات مديرية السياحة بالولاية في إطار التدفقات السياحية الى المؤسسات الفندقية خلال 2026، الى تسجيل 15775 وافد جزائري، و22189 أجنبي، فيما تم تسجيل 1388 وافد أجنبي خلال السنة الجارية عبر وكالات سياحية. ومن ضمن الوفود الديبلوماسية 4 سفراء من مختلف الجنسيات، و23 آخرون بصفات أخرى. كما تم الترخيص لـ 18 وكالة سياحية لتنظيم موسم الحج لسنة 2026، فيما قامت المديرية بـ 306 عملية تفتيش للمرافق السياحية، و3 حملات تحسيسية، و18 عملية مع اللجان المختلطة مع مصالح الأمن.