الضريح الملكي الموريتاني "قبر الرومية" بتيبازة

معلم ينافس الأهرامات إبداعا وقصة حب جمعت الأمازيغ بالفراعنة

معلم ينافس الأهرامات إبداعا وقصة حب جمعت الأمازيغ بالفراعنة
  • 132
كمال لحياني كمال لحياني

على قمة تلة مشرفة على البحر الأبيض المتوسط،، وبأعالي مدينة "سيدي راشد"، شرق العاصمة، يقف الضريح الملكي الموريتاني شامخا، منذ أكثر من ألفي عام، هذا الصرح الحجري الضخم، الذي يعرفه السكان المحليون بـ"قبر الرومية"، لا يزال يحير العلماء والباحثين بهندسته العجيبة، التي تفوقت في بعض جوانبها، على الأهرامات المصرية.

على جنبات الطريق السريع، الرابط بين الجزائر العاصمة وتيبازة، وبأعالي مدينة "سيدي راشد"، يظهر للعيان الضريح الملكي الموريتاني، كمعلم بحجم الأهرام المصرية، حيث بني على قمة تلة يجعله مرئيا على عشرات الكيلومترات، ولا يزال بعد أكثر من ألفي سنة بناؤه شامخا، ليحكي مرحلة مهمة في تاريخ البشرية، (حضارة البحر الأبيض المتوسط)، رغم أن البناء لم يكشف عن حقائقه وأسراره كاملة إلى اليوم، ولا تزال الألغاز قائمة في طريقة بنائه، والدافع الرئيسي لذلك والعناصر التاريخية المرتبطة بهذا الإنجاز الهندسي العجيب، الذي فاق في هندسته روعة وذكاء الفراعنة في التصميم، بتكنولوجيات وتقنيات وإمكانيات مادية شبه منعدمة في ذلك الوقت. كما يبقى هذا البناء، مثار جدل وبحث بين المجتمع العلمي، خاصة بين الباحثين في علم الآثار والتاريخ القديم.

بناء أسطوري بأيادي بسيطة

عند الاقتراب من الضريح، يستوقفك حجمه المهيب، حيث بني على شكل مخروط مدرج، يحيط به 60 عمودا يعلوها تيجان أيونية، ويتوسطه أربعة أبواب وهمية ترتفع 6 أمتار، مزينة بنقوش صليبية الشكل، فالأغرب، أن هذا الإنجاز الهندسي الفريد من نوعه، تم بتقنيات وإمكانيات شبه منعدمة في ذلك الوقت، وما زال لغز طريقة نقل وتركيب تلك الحجارة الضخمة، عصياً على الحل حتى اليوم. يقول الدكتور يوسف سعيداني، أستاذ الآثار بجامعة تيبازة: "أقدم نص وصلنا عن هذا المبنى، يعود للمؤرخ اللاتيني بومبونيوس ميلا في كتابه (Varonauguste)، حوالي عام 40 قبل الميلاد، أي في فترة تحول المملكة الموريتانية إلى ولاية رومانية".

حفريات كشفت الغموض... ولم تكتمل

تنقلت "المساء" بين أرجاء الموقع، وتتبعت آثار الحفريات التي جرت على مر العصور. ففي عام 1555، حاول الباشا صالح، تدمير الضريح بالمدفع بحثاً عن الكنوز الأسطورية، مما تسبب بضرر في الباب الشرقي. أما أول حفريات منظمة، فكانت بين 1865 و1866، بتكليف من الإمبراطور نابليون الثالث، وبإشراف الباحث "باربارغر"، حيث حفر هذا الأخير مسبرا على طريقة آبار المياه، وبعد 4 أشهر متواصلة، سقط المسبر فجأة على عمق 26 مترا، ليكتشف دهليزا دائريا يؤدي إلى غرفة مركزية... فارغة تماما. «هذا يعني أن الضريح، إما تعرض للنهب قديما، أو أن غرفة الدفن ما زالت مخبأة في مكان آخر"، يشرح أحد المرشدين المحليين لـ"المساء".

قصة حب جمعت الأمازيغ بالفراعنة

ما يجعل هذا الضريح فريدا من نوعه، ليس هندسته فقط، بل القصة التي يختزنها، فالملك الأمازيغي "يوبا الثاني"، لم يبن هذا الصرح عبثا، بل أقامه تخليدا لزوجته كليوباترا سيليني، ابنة ملكة مصر الفرعونية الشهيرة كليوباترا. إنها قصة حب خالدة، أراد "يوبا الثاني"، أن يقدم لزوجته هدية تبقى شاهدة على مكانتها إلى الأبد، متمنياً أن يدفنا معا في هذا الضريح. هكذا جمعت هذه العلاقة الملكية بين حضارتي الأمازيغ في الجزائر والفراعنة في مصر، قبل الميلاد بـ40 عاما، كما يجمع المؤرخون.

موقع سياحي ينتظر التثمين وإرث ينتظر من ينصفه

وسط هذه الأجواء التاريخية، وجدت عائلات جزائرية، تقضي يومها على أطراف الضريح، وتحدثت "المساء"، إلى السيد سمير، رب عائلة قادم من العاصمة، فقال: "عائلتي تفضل هذا المكان كثيراً. نتناول فطورنا في أحضان الطبيعة، والأطفال يلعبون في المساحات المخصصة، ثم نلتقط صورا تذكارية رائعة". لكن ليس الجميع راضيا، ففريد، مغترب جزائري يقيم في فرنسا، عبر بحسرة "في أوروبا، دخول مثل هذه المواقع يكلف بين 10 و30 يورو، ونحن نملك هذا الصرح المجاني الرائع، لكننا لا نحسن استغلاله لاستقطاب السياح". يشاركه الرأي صديقه موسى، مضيفا: "وزارتي الثقافة والسياحة، يمكنهما تحويل المنطقة إلى وجهة متكاملة، فندق مطل على البحر، ملاعب، مدينة ألعاب... هذا يمكن أن يصبح مصدر دخل اقتصادي مهم للمنطقة".

وبعد جولة طويلة في الموقع، وقفت "المساء" لحظة أمام الباب الشرقي المتضرر، متأملة هذا الصرح الذي أغلقته السلطات العمومية خلال العشرية السوداء، خوفا من أعمال تخريبية. واليوم، يعود الزوار إليه تدريجيا، لكن السؤال يبقى مطروحا، كم سيبقى هذا الكنز الأثري ينتظر من يثمنه كما يستحق؟ فالقصة تستحق أن تُروى، والموقع يستحق أن يحظى بالاهتمام الذي يليق بعراقة تاريخه وعظمة قصته، خاصة وأن هذا المكان كان مسرحا للافتتاح الرسمي للقاءات الفكرية الإفريقية المتوسطية، التي أشرفت عليها وزيرة الثقافة نهاية شهر أفريل الماضي.