رمضان في تيزي وزو

أجواء تعبدية وحرص على المطبخ التقليدي

أجواء تعبدية وحرص على المطبخ التقليدي
  • 445
ق. م ق. م

في الوقت الذي تتصاعد فيه روائح الشربة الشهية عبر أحياء وقرى ولاية تيزي وزو، تبرز خلال شهر رمضان روحانية المساجد والزوايا، والعودة القوية للأطباق الجزائرية التقليدية إلى مائدة الإفطار والعيد، في جولة ممتعة لاكتشاف الطبخ الجزائري الأصيل.

على غرار كل مناطق الجزائر، تعيش منطقة تيزي وزو أجواء روحانية وتعبدية؛ إذ تُعد الأولى وطنيا في عدد المساجد؛ حيث تمتلك أكثر من 860 مسجد، تفتح أبوابها لاحتضان المصلين. وبدافع الحفاظ على هذا التراث من الاندثار وحمايته في وقت انتشرت فيه صور ووصفات الطبخ عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بات العديد من الطهاة المحترفين وهواة الطبخ يشاركون وصفات تقليدية قديمة، مع التأكيد على هويتها الجزائرية. وأضحت المطابخ وعدسات الهواتف الذكية بالنسبة لهؤلاء الحراس لذاكرة المذاق، وسيلة لصون فن توارثته الأجيال، فيما يحرص الكثير منهم على ضرورة إعداد الأطباق كما كانت تحضرها الجدات دون أي تغيير؛ حفاظا على استمرارية هذا الإرث العريق.

وبهذا الشكل يتم إعادة اكتشاف عدة أطباق تقليدية قديمة، على غرار بابروسة المعروفة أيضا بـاسم "البويركات" ، والسفيرية، والغريتلية، ولحم لحلو، وصبيعات لعروسة، والمغلف في غلافو، وسكران طايح في الدروج، والمكفن في حجر أمو، وطاجين دار عمي، وطاجين الجبن. كما أصبحت مختلف أنواع الخبز التقليدي محل اهتمام متزايد، حيث أضحت تتصدر موائد رمضان تشكيلة واسعة من الكسرة، وأنواع الخبز المورق بزيت الزيتون، وخبز الأعشاب أو المصنوع من مختلف الحبوب، فضلا عن الخبز المخمر.

ولا يمكن اكتمال هذا الزخم المطبخي الشهي إلا بالحلويات التقليدية، حيث تلجأ ربات البيوت وأصحاب مدونات الطبخ مع اقتراب عيد الفطر، إلى كتب الطبخ القديمة أو إلى ذاكرة الجدات، بحثا عن الوصفة الأصلية لحلوى منسية؛ بغرض إعدادها أو مشاركتها، ما يستدعي حضور بوراك الرنة، والتشاراك، مرورا بـالتمر المحشو بعجينة اللوز، والغريبية، وحلوة الطابع، والمقروط، والدزيريات، دون نسيان تيغريفين (نوع من الفطائر) والسفنج، التي تعود كلها بقوة إلى مائدة شهر رمضان، على أن تكون، أيضا، سيدة الموقف خلال أيام عيد الفطر. ورأت السيدة نادية ـ وهي صاحبة مدونة متخصصة في الطبخ ـ أن "الأمر لم يعد يقتصر على فعل الطهو فحسب، بل أضحى توثيقا لهذا التراث غير المادي، المتوارَث شفهيا، وحمايته من أي محاولات للاستيلاء عليه من قبل ثقافات أخرى".

وبدوره، لفت السيد محمد ـ وهو رئيس طهاة ناشط على شبكة الإنترنت ـ إلى أن "الكثيرين قد أدركوا أهمية إبراز هذه الثروة من خلال الحفاظ على تسمياتها الأصلية، وطرق تحضيرها ومكوناتها كما كانت تُستعمل قديما"، مشيرا إلى أن الهدف من هذا المسعى هو الحفاظ على هذا الفن المطبخي، الذي "يشكل، أيضا، أحد الروافد الهامة لترقية السياحة". كما يتجاوز هذا التوجه مجرد البحث عن نكهات الماضي، ليعكس تعلق العائلات العميق بتراثها، ما يجعل مائدة رمضان بتيزي وزو، مرآة لهوية متعددة وتراث ثقافي غني ومتنوع.