من الذئب البشري إلى الشيطان المتزوج من الإنسان
كيف تصنع الرسوم المتحركة عوالم مقلقة لأطفالنا؟
- 307
أحلام محي الدين
مختصون يؤكدون:
❊ الرسوم تتحول إلى قنابل فكرية وحرب خفية تستهدف أطفال العصر الرقمي
❊ الحلول التقنية موجودة.. والمرافقة الوالدية خط الدفاع الأول
❊ التكنولوجيا سلاح ذو حدين.. والوعي أساس الاستخدام الآمن
❊ صاحبوا أبناءكم قبل أن تسبقكم إليهم الشاشات ورفقاء السوء
يجلس الأطفال والمراهقون لساعات طويلة أمام الهواتف الذكية وشاشات الحاسوب. وهناك من يفرض هذا السلوك على أسرته بدافع الإدمان، بل ويتحدى الجميع ولا يسمح لأحد بأخذ الهاتف منه. في المقابل، تضع بعض الأمهات الهاتف بين يدي الطفل، ليتنقل بإصبعه الصغير بين المواقع والصفحات، فقط حتى لا يعلو صوته بالبكاء أو الصراخ، فتتمكن من إتمام أعمال المنزل في هدوء. وهكذا يجد الطفل، وهو في الثالثة أو الرابعة من عمره، نفسه وجها لوجه أمام عالم مختلف... إنه عالم الإنترنت، الذي لا تُعد ولا تُحصى مزاياه لمن أحسن استخدامه، كما لا تُعد ولا تُحصى مخاطره لمن أساء استعماله.
تضع "المساء" بين أيدي قرائها، من خلال هذا الملف الذي استغرق إعداده أشهرا من المتابعة والبحث، وأثراه عدد من الخبراء بمعلوماتهم وتوجيهاتهم، واحدة من أخطر القضايا التي تواجه النشء اليوم، إنها حرب العقول الصامتة، التي تُشن على الأطفال والمراهقين عبر الرسوم المتحركة، والمسلسلات العاطفية المولدة بالذكاء الاصطناعي، والألعاب الإلكترونية، وهي مواد ينبغي التعامل معها بقدر كبير من الوعي والانتباه.
وتزخر بعض هذه الأعمال بعوالم خيالية تقوم على شخصيات متحولة، مثل رجال ونساء يمتلكون قدرات خارقة بفعل السحر، أو ذئاب وتنانين تتحول إلى بشر، وسرديات مستوحاة من أساطير وحضارات قديمة، إلى جانب موضوعات تتناول العنف أو العلاقات العاطفية أو قضايا الهوية. ويحذر مختصون من أن بعض هذه المضامين، قد تحمل رسائل أو تصورات غير مناسبة للأطفال والمراهقين، وقد تؤثر في منظومتهم القيمية إذا غابت المرافقة الأسرية والتوجيه. كما يشير الخبراء إلى أن بعض المحتويات الرائجة، وحتى بعض السلاسل الكرتونية التي تحظى بمتابعة واسعة، قد تتضمن رسائل أو مشاهد لا تتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة، وهو ما يستدعي من الأولياء متابعة ما يشاهده الأبناء، وعدم الاكتفاء بتركهم أمام الشاشات لساعات طويلة دون رقابة أو نقاش.
وعندما يتحول الذكاء الاصطناعي وخوارزميات منصات التواصل، إلى وسيلة لتوصية المستخدمين بالمحتوى، بناء على تفاعلاتهم، قد يجد الطفل نفسه يتعرض تدريجيا لأنواع متشابهة من المواد، وهو ما يصفه بعض المختصين بآليات التسلسل الخوارزمي، التي تدفع المستخدم إلى استهلاك المزيد من المحتوى المرتبط باهتماماته السابقة. فكيف تتم هذه العملية؟ وكيف تتمكن بعض الجهات المنتجة لهذا المحتوى من تجاوز أنظمة المراقبة؟ وما السبل الكفيلة بحسن التعامل مع هذه التقنيات، واستثمارها في خدمة التربية والتعليم وتنمية قدرات الأجيال؟ وكيف يمكن للأسرة أن ترافق أبناءها، وتضع أسسا تربوية سليمة، تجعل من التكنولوجيا وسيلة للبناء والمعرفة، بدل أن تتحول إلى مصدر للمخاطر والتأثيرات السلبية؟.
في مواقع التواصل كل شيء مباح
رسوم متحركة وأفلام تزلزل العقل والجسد
تعرض مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها "الفايسبوك" و«اليوتيوب" وكذا "التيك توك"، ريلز لمسلسلات تجذب المراهقين والصغار، مولدة بالذكاء الاصطناعي، رسوم متحركة تجذب الانتباه، شخصيتها في قمة الجمال بالنسبة للنساء والوسامة للرجال، تشبه إلى حد كبير قصص الأساطير، ملوك وأميرات بشعر طويل منسدل وعيون تختلف ألوانها بين الأزرق، الأخضر، البنفسجي والأحمر، زادهم جمال الذهب والحلي وهجا، يملكون قدرات خارقة، ممارسة السحر وفتح الأبواب بالدماء بعد قراءة التعويذات، يعيشون تفاصيل حكايات مختلفة، وأخرى متشابهة تتكرر، منها قصص حب قد تكون للجنس المغاير أو مثلية، وحتى قصص تحمل في طياتها أمراض" الزوفيليا" (ممارسة الجنس مع الحيوانات)، وكلها محرمة شرعا وقانونا وفي كل الديانات.
مشاهد مريعة تمر على عيون الأطفال، الذين لا يملكون حتى القدرة على التمييز بين الصحيح والخطأ، ومن كان ليصدق أن سلسلة "مياو مياو"، للقطط الحزينة، باتت تشكل خطرا أكبر من الاكتئاب، الذي تسببه لمشاهدها، بسبب لقطات الحزن، قطة تتوفى عند الولادة فور الوصول للمستشفى، لتترك ابنها في عهدة أبيه الذي يتزوج سريعا، ويقوم برميه للشارع، أو تحاول زوجة الأب قتله بأي طريقة، أو حتى يتم التخلص به برميه من أعلى منحدر، في جريمة مشتركة بين الأب وزوجته الجديدة، للاستمتاع بحياتهم بدون إزعاج، كما يصورها الريلز.
فبعد الاكتئاب وسحبها شهقات من قلوب الأطفال الحساسين جدا، ها هي اليوم تقدم مشاهد صادمة "صديقان، نمر وقط يمارسان الفاحشة، بعد أن تطبع القبل المتبادلة على الشفاه. ثم تعرض مشاهد أخرى مختلفة في الخيانة مع نفس الجنس أو غيره، كأن تخون القطة، التي تأخذ جسم امرأة ووجه قطة بشعر منسدل وحذاء بكعب، شريكها مع أسد أو وحيد القرن، أو قرد، ليتفاجأ الشريك أنها لا تحمل نسله عندما تضع حملها. أو أن يتم التخلص من الشريك فور اكتشاف الخيانة، بعد سرقة أمواله من قبل الزوجة والعشيق ومحاولة قتله، من خلال محلول خاص لإذابة جسده وطمس معالم الجريمة نهائيا.
"المتحولون" يتزوجون البشريات
أغلب قصص الريلز، التي تمر يوميا وتلقائيا، تكون جزءا من فيلم أو مسلسلات تعرض بغزارة، قصصا مختلفة وأخرى متشابهة نسجت منها عشرات المسلسلات، على غرار الأميرة الفدية والتنين، قصص عن سحرة مصر القديمة، يعرض فيها الجنس والسحر والعنف، حملت صورا صادمة لملك قوي البنية، وسيم الشكل، طويل الشعر حد نصف الظهر، أسمر، عريض المنكبين، يُعد حلم كل فتاة في المدينة، إلا أنه يختار أميرا أبيض البشرة، أزرق العينين، ليعبر له عن حبه وجنونه به، بل يقول إنه "شقيق روحه المقدر" الذي لن يتزوج غيره! في إشارة مباشرة وصارخة عن المثلية.
مسلسلات أخرى فيها صور لفتيات في قمة الجمال من عائلات غنية، تعرض حكايات أخوات يتنافسن على قلب رجل واحد، في الوقت الذي يجهز فيه للزواج من الأولى، يعيش قصة عشق وممارسة الجنس مع الأخت الأخرى. مسلسل آخر يروي قصة أميرتين توفى والدهما وبقيتا في عهدة عمهما، الذي قام ببيع الأميرة الكبرى، لدومنيك، الملك الوحش ذو القرون، بكيس من الذهب، ليستغلها جنسيا فقط، بعد أن كان يقدمها هدية لضيوفه في المملكة، وبعد أن يقامر بها، تصحبها أختها التي كانت تتخفى في صورة شاب، حتى لا تستغل مثل الكبرى، لتصبح لاحقا عشيقة الوحش ذي القرون، الذي أصيب بالجنون منذ 500 سنة، ولم يتمكن من استعادة صورته البشرية، ليخيل للجميع أن الوحش وقع في حب فتى، ولاحقا يظهر أنها "سايرن"، أي نوع من النساء اللواتي يمتلكن أرحاما قادرة على الحمل من الوحوش، لتنجب منه ثلاث أبناء نصف بشر بالقرون، وتعرض مشاهد جنسية خادشة للحياء، فيها اختلاط ومثلية موزعة على كل حلقات المسلسل.
كما تعرض مسلسلات أخرى، أسواقا يُعرض فيها المتحولون حسب الفصائل، بعد التعديل الجيني، يتم استغلالهم جنسيا من طرف النساء، وأفلام تعرض فتيات يتزوجن من "متحولين" أو نصف متحولين، من عائلات عريقة وملكية، رجال نصف أفعى، تنين أو طائر من الصقور أو النسور أو من الذئاب، يتحول إلى شكله الحقيقي حين الخطر والحروب، ثم يأخذ صفة الرجل ببعض مزايا صورته الأولى، كالأذناب، الأجنة والأذان، تتزوج منه الفتاة وتنجب بعد الحمل جراء، بدل مواليد البشر، ليأخذوا وقتا معينا أو بالاستعانة بالسحر الأسود، لأخد الصورة البشرية.
مشهد العنف يتكرر
صور ومشاهد مختلفة تعرضها هذه المسلسلات أو الريلز، يكون فيها العنف حاضرا بقوة، سيوف تغرز في الصدر، دماء وأرواح تزهق، بسبب الكراهية والحقد بين أفراد العائلة الواحدة، ومفاضلة صارخة بين الأبناء، تنتهي بموت أحدهم، والندامة لاحقا. وإلى جانب كل هذا، تمر "ريلزات" يكون فيها المسيح، كما تعرضه المولدات الاصطناعية، بأجنحته، سيد المواقف، إذ ينزل من السماء ليخلص شخصا ذكرا أو أنثى من النار، أو الأذى، ويضعه في بر الأمان.