المسرح النسوي بعنابة يستنطق هموم الإنسان المعاصر
3 نساء..3 أوجاع
- 172
سميرة عوام
شهدت دار الثقافة والفنون “محمد بوضياف” وقاعة العروض للمسرح الجهوي “عزّ الدين مجوبي” بولاية عنابة، ضمن فعاليات المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي، باقة من العروض المسرحية المتنوّعة في مقارباتها الفنية والفكرية، والتي جمعها خيط مشترك، هو مساءلة الإنسان في علاقته بذاته، وبالمجتمع، وبالزمن.
“السرّ والدمية”... الخشبة مرآة للاستلاب
تمتّع جمهور عنابة، أوّل أمس، بعرض مسرحي بعنوان “السرّ والدمية” من إنتاج مسرح قسنطينة الجهوي. وخاضت المخرجة سمية بوناب في عملها هذا، مغامرة جمالية وفكرية بالغة التعقيد، محاولة تفكيك العوالم النفسية والخفية للنفس البشرية عبر ثنائية مشحونة بالدلالات الرمزية “السرّ” و«الدمية”.
ولم يقف هذا الاشتغال عند حدود السرد الحكائي المألوف، بل غاص في أعماق البنية السيكولوجية للمتلقّي، مستنطِقًا المسكوت عنه في علاقة الفرد بسلطات التوجيه الخفي، ومؤسّسات الاستلاب المجتمعي.
وعلى خشبة المسرح، تحوّلت الدمية بمهارة فائقة، إلى أيقونة بصرية، تحيل المتفرّج مباشرة، على رموز الاستلاب، والطاعة العمياء، والوقوع في أسر قوالب جاهزة صاغها المجتمع أو النظام الأبوي والثقافي؛ فهي الكائن المفرَّغ من الإرادة، الذي يتحرّك بخيوط غير مرئية. وفي المقابل، مثّل “السرّ” الهاجس الخفي أو الحقيقة المؤجَّلة التي تُثقل كاهل الوجود الإنساني، وتدفع بالشخصيات نحو حافّة الانهيار، أو التمرّد الواعي.
وقد تميّز العرض بقدرة إخراجية ملحوظة على استثمار عناصر الفرجة الحديثة، حيث لعبت الإضاءة الباردة والمتقطّعة جنبًا إلى جنب المؤثّرات الصوتية المتوتّرة، دورًا محوريا في تعزيز الجوّ العام للمسرحية، وإشاعة مناخ من القلق الوجودي المبرَّر.
“المتشرّدة”... وجع الهامش على الركح
في محطّة أخرى، شهدت دار الثقافة والفنون “محمد بوضياف” ، عرضًا مونودراميا بعنوان “المتشرّدة” (SDF)، وسط حضور وتفاعل واسع من الجمهور والنقّاد قدّمته جمعية “بودرقة” للمسرح من البيّض، في تجربة قائمة على الأداء الفردي، والتعبير الجسدي، تعكس خصوصية المسرح النسوي. والعمل من تأليف وإخراج أحمد هشام، وأداء الفنّانة فتيحة طاهري.
وعالجت المسرحية قضايا إنسانية واجتماعية حسّاسة تلامس الوجدان، في مقدّمتها التهميش الاجتماعي، والاغتراب النفسي والروحي الذي تعاني منه الفئات الضعيفة والهشّة في قاع المجتمع، إذ ركّز النصّ على معاناة امرأة تقطّعت بها السبل، وألقى بها الشارع في مواجهة قسوة الظروف، وصقيع الإقصاء، مسلّطًا الضوء في الوقت نفسه، على قدرة المرأة على مجابهة الأزمات، وتحويل الألم الفردي إلى صرخة تعبيرية تعكس تناقضات الواقع، ومآسيه المستمرّة.
وشكّل العرض محطّة واقعية بامتياز؛ إذ ابتعد النصّ والإخراج عن الخطابية المباشرة، مفضّلَين ملامسة وجدان الجمهور عبر التفاصيل اليومية الموجعة، وكسر الجدار الرابع، لخلق تفاعل حيّ ومباشر مع المتلقّي.
وفي القراءة النقدية التي قدّمها الأستاذ حليم زدام والناقد محمد لمين بحري، تراوحت الآراء بين الإشادة بجماليات الأداء الفردي، ورصد جملة من النقائص الفنية والإخراجية؛ فقد أثنى النقّاد بإجماع، على الطاقات الأدائية الكبيرة للفنّانة فتيحة طاهري، التي استطاعت، بفضل تمكّنها من أدواتها الجسدية والصوتية، أن تحمل على عاتقها ثقل العرض طيلة مدّة الأداء، مساهمة في إيصال مشاعر الخوف والانكسار بصدق عالٍ، إلى جانب توظيف السينوغرافيا، والديكور البسيط، والإضاءة المعبِّرة في خدمة الفكرة العامّة، وتجسيد قسوة الشارع.
وفي المقابل، وقف النقّاد عند عدّة نقائص ظهرت في العرض، تمثّلت في وجود تماثل وتشابك في بعض أجزاء النصّ والمونولوج الداخلي؛ ما أدّى إلى فتور نسبي في الإيقاع، وغياب التصاعد الدرامي الحادّ الذي تفرضه تقنية المونودراما، إضافة إلى وقوع المخرج في فخّ المعالجة المألوفة لتيمة التشرّد دون تقديم رؤية إخراجية مبتكَرة تكسر الصورة النمطية، والاعتماد أحيانًا على الشحن العاطفي، والخطاب التقريري المباشر بدل الإيحاء الفني العميق.
“هنا والآن”... تجريد فلسفي يستفزّ العقل
في محطّة ثالثة، احتضنت قاعة العروض للمسرح الجهوي “عزّ الدين مجوبي” ، عرض مسرحية “هنا والآن” من تأليف وإخراج سماح سميدة، وإنتاج التعاونية الفنية والثقافية “واش” من الجزائر.
وقدّم العرض طابعًا تجريبيا يسعى لمشاكسة عقل المشاهد، عبر طرح أسئلة وجودية وفلسفية حول أزمة الإنسان المعاصر في علاقته بالزمن، متّخذًا من التجريد البصري والجمالي أداةً لإيصال خطابه.
ورغم الجرأة الكبيرة والجهد المبذول في توظيف الفضاء المسرحي بذكاء بصري، إلّا أنّ العمل وقع في مطبّ “الابتعاد عن المتلقّي البسيط”؛ فقد سجّل النقّاد والمهتمّون عدّة نقاط ضعف أساسية، تمثّلت في الطابع الفلسفي البحت، والتجريد المكثّف، اللذين تحوّلا إلى عائق حقيقي، حجب إمكانية التقاط الرسائل المضمَرة بسلاسة. كما ظهر ترهّل واضح في الإيقاع الدرامي نتيجة الميل نحو التنظير الفكري على حساب الفعل الحركي؛ ما خلق مسافة باردة بين المنصّة والصالة، وجعل العرض يميل نحو النخبوية المطلقة.