من أوغسطين إلى راهن التحولات
الجزائر تؤسس لجسر فكري متوسطي برؤية إفريقية
- 218
نوال جاوت
❊ بن دودة: الجزائر راعية لخطاب المحبة ومؤسسةٌ مرجعية للحقوق
أكدت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، أن الجزائر ظلت حلقة رابطة بين ضفتي المتوسط. ولعل الاعتزاز الجزائري بهذا الانتماء يتجلى من خلال وقوفها الدائم إلى جانب الأشقاء والأصدقاء من ضفتي المتوسط متى تطلَّب الأمر ذلك، مضيفة أنّ القديس أغسطين حلقةٌ مهمة في تراثنا العريق في شقه المرتبط بالعلوم والفلسفة. كما تُعد جامعته الأولى مادور، حلقةً مهمة في التراث الإنساني الجزائري؛ باعتبارها الجامعة الأسبق بأقسامها التعليمية ذائعة الصيت منذ القرن الميلادي الأول.
أشارت بن دودة، أمس الأربعاء، لدى افتتاحها اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر المخصصة في طبعتها الأولى للقديس أوغسطين بعنوان “تجلٍّ جزائري، إفريقي ومتوسطي”، بالمركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف برحال”، إلى أن الجزائر إذ تُثبت أقدامها في التاريخ راعية لخطاب المحبَّة ومؤسسةً مرجعية للحقوق والمبادئ التي تسمو بالإنسان، لا تكفُّ عن الوفاء لهذا المسار منذ القديس أغسطين، وقبله وإلى غاية الأمير عبد القادر وبعده؛ فلا تُقايِض بمصلحة، ولا تنتظرُ مقابلاً، وليس في أدبياتها إلا الانتصار للقضايا الإنسانية العادلة؛ فبلادنا التي استمر فيها مفهوم الدولة لقرون، كانت دائما ملجأَ الشرفاء، ومنبع الأصلاء.
أوغسطين في الذاكرة الجزائرية
واصلت الوزيرة أن القديس أغسطين كان حامل رسالة سلام ومحبة مُنطلقًا من أرض أجداده الجزائر الإفريقية المتوسطية. وقد تقبَّل أتباعه تلك الرسالة، واحتفوا بها لقرون طويلة. ومازال جوهر التسامح الذي يتصف به الإنسان الإفريقي على وجه الخصوص، ماثلاً في التعاملات، والمعتقدات، والعلاقات في سائر إفريقيا، قائلة: "إذا كان لا بد أن نقيم محفلاً لفكر التسامح وعنوانا لنداء السلام، فإنَّ الجزائر أرض القديسين والعلماء والصالحين والمجاهدين والمنافحين في المحبة، وبها أولى أن تكون كذلك؛ فمرحبا بكل عالم، وعارف، وداع للمحبة والسلام".
ومن جهتها، قدّمت البروفيسور نعيمة حاج عبد الرحمان، رئيسة اللقاءات الفكرية، مداخلة شاملة، تناولت فيها مجموعة من الأفكار المتداخلة حول الفكر، والمعرفة، والتحولات الراهنة في العالم. وأوضحت في مستهل حديثها، أننا نعيش في عصر يتسارع فيه كل شيء بوتيرة غير مسبوقة، حيث أصبح التطور العلمي والتكنولوجي يفرض إيقاعه على مختلف مجالات الحياة، الأمر الذي يجعل من التواضع أمام ضرورة التطوير، خيارًا حكيمًا لا مفر منه في ظل عالم يقوم على التحدي، والمنافسة والكفاءة. وفي هذا السياق، لم يعد النجاح مرتبطًا فقط بامتلاك المعرفة، بل بقدرة الإنسان على مواكبة التحولات المستمرة، وتطوير مهاراته باستمرار، ليظل فاعلًا في عالم سريع التغير.
الكفاءة في قلب التحولات
وانتقلت البروفيسور إلى مفهوم الفكر، معتبرة إياه المفتاح الذي يفتح أبواب الأسئلة المعقدة نحو الحقيقة. تلك الحقيقة التي لا تُدرَك دفعة واحدة، بل تُلامَس عبر الإصغاء العميق، والتأمل الذهني المستمر. فالفكر، بحسبها، ليس لحظة عابرة، بل فعل دائم، يشبه عملًا داخل معمل، لا يتوقف عن إعادة التشكيل والإنتاج. كما رأت أن الوجود الإنساني يمكن النظر إليه كمسار ممتد، تتداخل فيه الذاكرة بالفكر. ويتقاطع فيه التاريخ مع الإبداع، حيث تتشكل عبر الزمن طبقات من المعنى، تشبه نحتًا ثقافيًا، يعكس تحولات المجتمعات، وتجاربها.
وفي هذا الإطار، استحضرت البعد الفلسفي كما عند القديس أوغسطين، بوصفه مثالًا على قدرة الفكر على إعادة صياغة علاقة الإنسان بذاته، وبالعالم. وأكدت أن الفكر ليس حالة جامدة، بل حركة دائمة، تفتح عوالم جديدة من الفهم، وتؤسس لمجالات معرفية متجددة باستمرار، في اشتغال دائم يعبّر عن جوهر الحياة العقلية نفسها.
وفي حديثها عن دور اللقاءات الفكرية، أشارت إلى أنها تأتي لمواجهة خصومة الجهل وعداء العقل، من خلال فتح مجالات للنقاش الجاد حول القضايا المعرفية والثقافية، وإعادة طرح الإشكالات الفكرية بشكل منهجي، وعقلاني. كما تعمل هذه اللقاءات على تعزيز الحوار بين الباحثين والمفكرين والكتّاب، وتوسيع الوعي النقدي، وربط المعرفة بسياقها الاجتماعي والثقافي، إلى جانب بناء شبكات تعاون بين المؤسسات البحثية والفاعلين الثقافيين. وختمت بالتأكيد على أن الغاية ليست النقاش في المسلّمات أو إصدار أحكام جاهزة، بل فهم النصوص والأفكار بوصفها جزءًا من مسار حضاري طويل، يفتح المجال للتأمل، والتحليل، وتعدد وجهات النظر بما يثري الفهم، ويعمّق النقاش داخل الحقلين الأكاديمي والفكري.
الدبلوماسية الثقافية كجسر بين الشعوب
للإشارة، سعت اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر في طبعتها الأولى، إلى إعادة فتح النقاش حول قضايا الذاكرة والهوية والتاريخ المشترك بين إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط. وقد جاءت هذه المبادرة التي نظمتها وزارة الثقافة والفنون برعاية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في إطار ترسيخ فضاء للحوار الفكري بين الباحثين والمفكرين، وإعادة التفكير في موقع المنطقة ضمن التحولات الثقافية العالمية. واتّخذت النقاشات بالمركز الدولي للمؤتمرات، أمس الأربعاء، طابعًا تحليليًا أعمق حول التحولات السياسية والفكرية في إفريقيا.
وقد خُصصت الجلسة الأولى لموضوع إعادة بناء الوعي السياسي بالقارة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، مع إبراز دور المثقف في قراءة الواقع، وصياغة بدائل فكرية، قادرة على مواكبة تعقيد المرحلة. كما تم استحضار شخصية القديس أوغسطين في هذا السياق؛ كمرجعية فكرية تاريخية، تساعد على فهم تشكل الفكر الأخلاقي والسياسي في الفضاء المتوسطي، وما يطرحه من أسئلة حول العدالة، والسلطة والإنسان.
أما الجلسة الثانية فقد تناولت موضوع الذاكرة والتاريخ وإعادة كتابة السرديات، من خلال مناقشة العلاقة بين التاريخ والهوية، وتأثير الذاكرة الاستعمارية وما بعد الاستعمار في تشكيل الوعي الجماعي. وتمت الإشارة إلى الإرث الأوغسطيني؛ باعتباره جزءًا من الذاكرة الفكرية للمنطقة، ليس فقط كتراث ديني، بل كعنصر من عناصر تشكل السردية المتوسطية، التي قامت على تفاعل طويل بين ثقافات متعددة.
وتواصلت أشغال اليوم الثاني بجلسة ثالثة خُصصت لموضوع الفكر والحداثة وأفق المستقبل، حيث نوقشت أسئلة موقع الفكر في زمن العولمة والتحول الرقمي، والتحديات التي تواجه العلوم الإنسانية في عالم سريع التغير. وقد تمت مقاربة النموذج الأوغسطيني كأحد المرجعيات التاريخية، التي تساعد على التفكير في علاقة الإنسان بالزمن والمعرفة والذات، بما يفتح أفقًا أوسع لفهم الحداثة في امتدادها التاريخي.
رهان مستقبلي لترسيخ تقليد فكري دائم
وستتجه اللقاءات في يومها الثاني، اليوم الخميس، نحو استشراف المستقبل، من خلال جلسات تركز على الحوار بين الثقافات كمدخل للانتقال من التعايش إلى الشراكة الفكرية بين ضفتي المتوسط. وستناقش أهمية الدبلوماسية الثقافية في بناء جسور مستدامة بين الشعوب، وإعادة صياغة العلاقات الفكرية على أساس الاعتراف المتبادَل، مع استحضار الإرث الأوغسطيني مجددًا؛ باعتباره نموذجًا تاريخيًا للتعدد الثقافي الذي ميز المنطقة، حيث تشكلت الهويات عبر تفاعل مستمر بين حضارات متعددة.
كما خُصصت جلسة أخرى لعرض ملامح الفكر الإفريقي المعاصر، مع إبراز الاتجاهات الفكرية الجديدة في القارة، ودور الجامعات ومراكز البحث في إنتاج المعرفة. وقد تم تقديم أوغسطين أيضًا كمرجع تاريخي، يسمح بفهم كيفية انتقال الأفكار عبر الزمن والثقافات، وإمكانية استلهام هذا الإرث في بناء خطاب فكري إفريقي معاصر أكثر انفتاحًا.
وتُختتم اللقاءات بجلسة ختامية، يتم خلالها عرض خلاصات النقاشات والتوصيات، مع التأكيد على أهمية تحويل هذا الموعد الفكري إلى تقليد سنوي دائم في الجزائر. وقد عُدّت هذه التظاهرة محاولة لإعادة التفكير في معنى الانتماء الحضاري المشترك بين إفريقيا والمتوسط، وفي دور الفكر كأداة لفهم العالم، وإعادة صياغة أسئلته الكبرى.