مهرجان الفيلم المتوسطي بعنابة يسدل ستاره.. محمد علال:

الطبعة السادسة ناجحة بكل المقاييس

الطبعة السادسة ناجحة بكل المقاييس
محافظ مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، محمد علال
  • 142
سميرة عوام سميرة عوام

​كشف محافظ مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، محمد علال، أول أمس، في ندوة صحفية احتضنها فندق “سيبوس الدولي”، عن كواليس وتحديات الدورة السادسة، التي اختتمت فعالياتها بنجاح باهر، وأكد أن تحضيرات هذه الطبعة جرت في وقت قياسي، تزامنا مع شهر رمضان، ورغم ضيق الوقت، فقد قُدمت، حسبه، “طبعة ناجحة بكل المعايير الفنية والتنظيمية”؛ وهو ما انعكس في الرضا الكبير الذي أبداه الشارع العنابي، وتفاعله الاستثنائي مع الأفلام والعروض التي قُدمت لأول مرة في قاعات المدينة.

​ولم يغفل علال الإشادة باستقطاب كبار السينمائيين العالميين، الذين أثروا المهرجان بتقديم “ماستر كلاس” وندوات سينمائية رفيعة المستوى، لعل أبرزها، الاحتفالية الخاصة بالمخرج العربي الكبير الراحل يوسف شاهين، والتي شكلت محطة فارقة في البرنامج الثقافي للدورة. وأوضح المحافظ، أن الهدف كان دائما تقديم مادة سينمائية، ترقى إلى ذوق الجمهور، وتضع عنابة في قلب الحراك الثقافي المتوسطي، “وهو ما تحقق بفضل تضافر الجهود، رغم الصعوبات اللوجستية”، وفق المتحدث.

​من جهتها، شددت المديرة الفنية للمهرجان، سارة لعلامة، على أن هذه الطبعة تميزت بجودة وانتقاء دقيق للأفلام المشاركة، مما ساهم بشكل مباشر في تشريف صورة المهرجان والسينما الجزائرية، على حد سواء. وأشارت لعلامة إلى أن لجان التحكيم الدولية قدمت شهادات إشادة بمستوى الأعمال المعروضة، مؤكدة أن هذا النجاح يضع الإدارة أمام مسؤولية أكبر لتحضير الطبعة القادمة، لتكون أكثر تميزاً واحترافية.

​اختتمت الندوة، بتأكيد القائمين على المهرجان، بأن دورة "عنابة 2026" كانت دورة الانتصار للثقافة، حيث نجحت في كسب رهان الاستمرارية والجودة، معلنة عن طموحات واسعة لتوسيع قاعدة المشاركة الدولية في السنوات المقبلة، ليبقى مهرجان عنابة منارة سينمائية، تجمع ضفتي المتوسط وتفتح آفاقا جديدة للمبدعين الشباب في الجزائر.


سينما الضفتين في عنابة

رحلة بين الوجع الإنساني والذاكرة التاريخية

​عرفت  قاعات العرض، في اليوم الختامي لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، إقبالا جماهيريا واسعا، حيث تفاعل المشاهدون مع باقة من الأفلام التي لمست وجدانهم، وحاكت واقعهم وتاريخهم المشترك.

بدأت هذه الرحلة البصرية، مع الفيلم الملحمي “النيل والحياة” للمخرج العالمي يوسف شاهين (إنتاج 1968)، والذي أعاد الجمهور إلى زمن الأحلام القومية الكبرى، مصورا ملحمة بناء السد العالي؛ حيث لم يكن النيل في كادرات شاهين مجرد نهر، بل كان رمزا للصمود والتحدي المشترك بين المصريين والسوفييت. وقد اهتزت القاعة تفاعلاً مع الأداء الأسطوري للنجوم صلاح ذو الفقار وشادية، مستحضرين سحر سينما الزمن الجميل، التي كانت تمزج ببراعة، بين الفن الرفيع والقضايا الوطنية المصيرية. ​وفي سياق مختلف، غاص الجمهور في عوالم السينما الوثائقية المعاصرة، التي تتسم بالجرأة، حيث قدم فيلم “بيت الآلهة” (House of Gods) للمخرج رائد أنطون (2023)، قراءة بصرية هادئة وعميقة حول دور العبادة وتأثيرها الروحي على النفس البشرية، في ظل المتغيرات الحديثة.

بينما أثار فيلم “لا علامات للضعف” (No Signs of Weakness) للمخرج إدواردو ماريا فالكوني (2024)، تساؤلات وجودية ملحة، حول القدرة على الصمود النفسي في وجه الأزمات الطاحنة. كما توقف الجمهور طويلاً وبالكثير من التأمل، عند فيلم “ضد الصمت” (Against Silence) للمخرج خورخي فرنانديز (2023)، الذي كسر جدران المسكوت عنه في القضايا الاجتماعية الشائكة، محفزا نقاشات فكرية ثرية، عقب العرض حول دور السينما، كسلاح فعال في التغيير المجتمعي.

​أما اللحظة الفارقة التي حبست الأنفاس، فكانت مع عرض فيلم “فرانتز فانون” للمخرج الجزائري عبد النور زحزاح (2024)، الذي يؤدي فيه الممثل ألكسندر ديزان دور الطبيب والمناضل الأممي ببراعة فائقة. تتبع الجمهور بشغف كبير سنوات فانون في مستشفى “بليت” بالبليدة، وكيف تحول من طبيب نفسي يحلل أوجاع المستعمرين، إلى منظر عبقري للثورة الجزائرية، وهي القصة التي مست الهوية الوطنية بعمق، مبرزة أن طريق الحرية يبدأ حتماً من تحرير العقل من رواسب الاستعمار.  وعلى خشبة المسرح الجهوي، كان الجمهور على موعد مع الفيلم الإيطالي “الولد المقدس” (The Holy Boy)  للمخرج باولو فيرزي (2023)، والذي سرد بأسلوب واقعي، قصة مراهق يبحث عن النقاء المفقود وسط عالم ملوث بالمادة، وهو ما أثار تعاطفا إنسانيا كبيرا مع شخصية البطل الشابة.

واختتم المهرجان عروضه الرسمية بالفيلم المؤثر “عطر أبي” (My Father’s Scent) للمخرج محمد صيام (2024)، من بطولة الفنان عمرو عابد. تناول الفيلم في قالب درامي مشوق، قصة شاب يعود لزيارة والده المريض بعد سنوات طويلة من الغربة والجفاء، لتبدأ رحلة مضنية للبحث عن “رائحة” الذكريات المفقودة والمصالحة مع الماضي بكل أوجاعه. كانت ردود فعل الجمهور متأثرة جدا، بهذا العمل الذي لمس ثنائية الأب والابن المعقدة، لتؤكد هذه العروض في مجملها، أن مهرجان عنابة نجح بامتياز في اختيار أفلام لا تكتفي بالعرض العابر، بل تترك أثرا عميقا لدى المشاهد، معلنة عن طبعة استثنائية، انتصرت فيها السينما للإنسان وقضاياه الكبرى.


فيلم "مذكراتي الأخيرة" للويزة إيغيل

يبكي جمهور القاعة

​سجلت، أول أمس، قاعة "السينماتيك" بمدينة عنابة، ليلةً تاريخية لا تنسى، امتزجت فيها قوة النضال بسحر السينما، خلال عرض الفيلم الوثائقي “لويزة إيغيل أحريز... مذكراتي الأخيرة”، للمخرج محمد والي. ولم يكن العرض مجرد فعالية ضمن مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، بل تحول إلى ملحمة إنسانية، حضرها المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا، وجمهور غفير غصت به القاعة، حيث خيمت على الحاضرين لحظة حزن، أمام صرخة الحق، التي أطلقتها بطلة الثورة الجزائرية، التي حضرت لمشاركة جيل اليوم مذكرات الوجع والشموخ.

قدمت خلال مشاهد الفيلم، لحظات توثيقية لتصريح المجاهدة لويزة، التي كسرت صمت عقود من الزمن، لتروي تفاصيل ما عانته من تعذيب واغتصاب في سجون الاستعمار الغاشم. وانفجرت القاعة بالبكاء "بالشهقة"، نساء ورجالا، في مشهد يعكس تضامنا وجدانياً عميقاً مع المناضلة التي تحدت الجلاد؛ فالاغتصاب الذي أراد به المستعمر تدنيس كرامتها، لم يزدها في وجدان الجزائريين إلا عزة وشموخا، محولا آلامها إلى منارة للشرف، تضيء تاريخ الأمة وتخلد تضحيات المرأة الجزائرية، التي كانت في طليعة الكفاح.

​تعالت نبرة المجاهدة لويزة في ختام العرض، وهي تخاطب الشباب بدموع ساخنة، وكلمات صادقة، نابعة من قلب أم ومناضلة، محذرة من التهاون في صون الأمانة، حيث قالت بلهجة مليئة بالإصرار: "لا تسمحوا للاستعمار بالعودة مجددا"، مؤكدة أن الحرية والسلام هما الثمرة المقدسة لتضحيات جسام. وأضافت بنبرة مؤثرة، أن “الجزائر بلد صُنع ليصنع المجد والخلود”، وأن هذه الأرض الطاهرة تستحق أن تبقى خصبة ومصانة، لأنها ارتوت بدماء الشهداء، الذين وهبوا أرواحهم لتستمر الحياة بكبرياء فوق تراب وطني مستقل.

شارك المؤرخ بنجامين ستورا الجمهور هذا الانفعال الصادق، في تأكيد على أن شهادة لويزة تتجاوز حدود الأرشيف الورقي، لتصبح صوتا حيا يهز الضمائر الإنسانية. وقد نجح المخرج محمد والي في صياغة وثيقة بصرية مكثفة، جعلت من “مذكراتي الأخيرة” الحدث الأبرز في دورة المهرجان، ليبقى العرض درسا عميقا في الوفاء، وبرهانا على أن السينما هي الحارس الأمين للذاكرة الوطنية، وأن المجد سيظل دوما محفورا بأسماء أولئك الذين صنعوا من الألم، جسرا للعبور نحو الحرية والكرامة والاستقلال.


​"عنابة مواهب".. شهادات لجيل التكوين والاحتراف

​سلمت إدارة مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، أول أمس، شهادات للمشاركين في برنامج “عنابة مواهب”، عقب استكمالهم ورشة الأفلام الروائية القصيرة، التي نظمت ضمن فعاليات الدورة السادسة، وجرت مراسم التسليم في أجواء مفعمة بالتقدير، لحضورهم وانضباطهم طيلة فترة التكوين، تحت إشراف خبراء في الصناعة السينمائية.

​ركزت هذه الدورة التكوينية، على الجانبين التقني والفني، حيث تلقى المشاركون تدريبات متخصصة في كيفية بناء السيناريو الروائي القصير، وفنون الإخراج وتقنيات التقاط الصورة، مما سمح لهم بتحويل الأفكار النظرية إلى مشاريع بصرية ملموسة. ولم يقتصر التكوين على الجانب الأكاديمي، بل وفر مساحة حرة للاحتكاك بالمخرجين المحترفين، مما ساهم في صقل مهارات هؤلاء الشباب ووضعهم على الطريق الصحيح، لفهم أدوات السينما العصرية وتحديات الإنتاج.

​أكد المشرفون على هذه الورشات التكوينية في المهرجان، من خلال هذا التتويج، على دوره كمدرسة تعليمية رائدة لا تكتفي بالعروض، بل تسعى للاستثمار في العنصر الشبابي؛ فتسليم الشهادات، على حد تصريحهم، اليوم، ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو شهادة ميلاد لجيل جديد من صناع الأفلام، القادرين على تمثيل الجزائر في المحافل الدولية. وعليه، فقد أثبت برنامج “عنابة مواهب”، أن التكوين المستمر هو الركيزة الأساسية للنهوض بالقطاع السينمائي، معززا بذلك جسور التواصل بين الخبرات الكبيرة والطموحات الشابة الصاعدة.


السينما المصرية بعيون النقاد

استعادة الأمجاد وقراءة في تحولات الشاشة الكبيرة

​عرفت الندوة الفكرية “السينما المصرية بعيون النقاد”، أول أمس، والتي أقيمت بالمدرسة الوطنية العليا للتسيير، نقاشات ثرية ومعمقة حول تاريخ “هوليود الشرق”، مبرزة أثرها البالغ في تشكيل المشهد السينمائي العربي والعالمي. أدار الجلسة نخبة من أبرز النقاد، الذين غاصوا في ذاكرة السينما المصرية، مستعرضين محطاتها الذهبية منذ البدايات التأسيسية، وصولاً إلى سينما الواقعية الجديدة، التي قادها جيل العمالقة، والتي شكلت وجدان المشاهد العربي لعقود طويلة.

​تناول المشاركون في الندوة، التحولات الجذرية التي طرأت على لغة السرد السينمائي في مصر، وكيف استطاعت الأفلام المصرية أن تكون مرآة عاكسة للمتغيرات السياسية والاجتماعية في المنطقة. وقد ركز النقاد على "العصر الذهبي" للسينما المصرية، معتبرين إياه حجر الزاوية، الذي استندت إليه الصناعة السينمائية في دول الجوار، مؤكدين أن الشخصية المصرية بتفاصيلها اليومية، كانت قادرة على اختراق الحدود الجغرافية، لتصبح لغة إنسانية كونية، بفضل براعة المخرجين وقوة السيناريوهات التي قدمها أدباء كبار فوق الشاشة.

​ولم تخل الندوة من نقد موضوعي للواقع المعاصر، حيث استعرض النقاد تحديات الإنتاج والتوزيع، في ظل الطفرة الرقمية، وكيفية استعادة بريق الأفلام المصرية في المهرجانات الدولية الكبرى. وشدد المتدخلون على ضرورة الموازنة بين الحفاظ على الهوية الكلاسيكية، واللحاق بركب التطور التكنولوجي، معتبرين أن السينما المصرية لا تزال تمتلك أسماء فنية، قادرة على العودة بقوة إلى الواجهة.

​اختُتمت الفعالية، بتوصيات أكدت على أهمية الأرشيف السينمائي المصري، كإرث ثقافي مشترك للشعوب العربية، مع الدعوة إلى تعزيز التعاون بين النقاد والمبدعين، لضمان استمرارية هذا الصرح الفني. لقد كانت الندوة وقفة تأملية ضرورية، أثبتت أن عيون النقاد ليست مجرد أداة للتحليل، بل هي بوصلة ترسم معالم الطريق للجيل الجديد من صناع الأفلام، الطامحين لإحياء مجد السينما العربية.