معرض "إشراقات تشكيلية" برياس البحر
الفنان عبد الغني بابي ينقل نسائم الصحراء
- 114
مريم. ن
حطّ الفنان عبد الغني بابي رحاله بقصر رياس البحر حاملا معه بعضا من تراث ومعالم مدينته عين صالح ضمن معرضه المقام إلى غاية 11 ديسمبر الداخل بعنوان "إشراقات تشكيلية"، تنسّم فيه الجمهور الوافد نسائم الصحراء العليلة من موسم الشتاء إذ تتحوّل الصحراء إلى وجهة سياحية بامتياز.
جاء الفنان عبد الغني من عمق الصحراء الجزائرية ليقدّم صورا من بيئة لطالما أسرت من يعيشون في الشمال بسحرها وهدوئها ونقائها ، يترعرع فيها الحسن والجمال وتترسخ فيها الأصالة، وبالتالي لا تملك الريشة إلاّ أن تعكس هذه الحياة التي تفتقدها مناطق أخرى تعيش الضجيج والتلوث. علقت اللوحات في وسط الدار فزادته جمالا على جمال، وأضافت له معالم من أصالة وثقافة أخرى قادمة من عين صالح، إنّها ألوان وأشكال وبورتريهات ممتدة تحمل الدفء والأنس الذي سرعان ما أحسّه الجمهور فراح يدقّق في اللوحات ويلتقط الصور وأحيانا يذهب ثم يعود ليدرك تفاصيلا أخرى فاتته.
لوحات من قلب الصحراء
كلّ اللوحات جاءت من قلب عين صالح حاملة معها بيئتها المحلية التي تجاوزت الحدود بصيتها فمن يزورها لابد له وأن يعود . قال الفنان إنّ جلّ أعماله تتناول التراث والهوية وما فيها من عادات وتقاليد وفلكلور وغيرها، حيث يفصّل في كلّ ما نشأ فيه من ثقافة وقيم وتقاليد ليكتشفها الجمهور في كلّ مكان يقام فيه المعرض.
أشار الفنان إلى أنّه حرص على نقل بيئة منطقته بكلّ ما فيها ليعرض مثلا بعض المناطق والقرى المحيطة بعين صالح منها تلك السياحية التي تجلب السواح من كل أنحاء العالم، وغالبا ما ينبهر الوافدون بغروب الشمس في هذه المنطقة ويصنّف منظرها كأجمل منظر غروب في العالم، كذلك الحال بالنسبة للكثبان الرملية ذات اللون الذهبي هذا اللون الذي يزداد لمعانا كلّما حلّ الغروب، وكلّ تلك التفاصيل هي مادة أوّلية للفنان ينهل منها لوحاته.
ينهل هذا الفنان أيضا من التراث غير المادي للمنطقة وعلى رأسه المناسبات الاجتماعية منها الأعراس التي تشبه المواسم الفنية فهي مفتوحة للمدعوين وغالبا ما يكون الزفاف جماعيا وتبرز فيه الأغاني الشعبية والموسيقى ويعزف فيها بالطبل والقرقابو والزمار ويضرب البارود ليدوي ويسمع جميع المناطق كي تأتي للاحتفال وتشارك في الفرحة. قال الفنان لـ"المساء" إنّ المعرض يمثّل إبداعات جاءت من عمق صحراء عين صالح، وهي تعبر عن بيئة المنطقة فالفنان ابن بيئته.
تضمّن المعرض عدّة لوحات جميلة منها لوحة "زهرة الخزامى" وتصوّر سيدة صحراوية بلباسها الأصفر الجميل تسير في مروج عاتية من زهور الخزامى ويبدو فيها بعض التناقض بين المرأة التي تمثّل الصحراء والمروج وفسّر ذلك الفنان متحدّثا لـ«المساء" وقال "هذه اللوحة هي عمل تركيبي لشخصية من عين صالح تنتقل من الطبيعة الصحراوية إلى فضاء مخضر ويعكس ذلك الوجه الآخر للصحراء هذه الأخيرة المعروفة فقط برمالها الذهبية، في حين أنّ لها وجهها الآخر فليست كلّها رمال، بل هناك الاخضرار وبساتين غنّاء وواحات ويوجد في تضاريسها الكثير من التنوّع، كما أنني حمّلت هذه اللوحة الجميلة الكثير من احساسي".
تضمّنت لوحات أخرى بعض الرموز الأمازيغية وكذا الإفريقية التي تظهر في يوميات الإنسان الصحراوي وكذا في لباسه مثلما في لوحة لسيدة صحراوية سماها الفنان "موناليزا الصحراء" بلباسها الجميل وحليها الأصيلة، واستطاع الفنان أن يحول كلّ ذلك لرؤية فنية متجذرة في الطبيعة والتاريخ، ناهيك عن لوحات العمارة الصحراوية خاصة القصور وما فيها من بيوت وأزقة وتقابلها مع الواحات الغناء ومنابع المياه هذه الأخيرة التي تسمع رقرقتها وسط فضاء مفتوح على الهدوء والسكينة.
التراث في كلّ ركن
تضمّن المعرض أيضا لوحات لسيدات يعزفن على آلة الإيمزاد من وراء المنسج، وبعض الأواني المصنوعة من نبات الحلفاء، وكذا لوحة عازف المزمار الترقي (الزمار) بلباسه التقليدي، في حين خصّصت غرفة بالمتحف لعرض أعمال الفنان التجريدية وهي تجربة أخرى تعكس التكوين الأكاديمي علما أنّ الفنان استعمل فيها الألوان الحارة التي هي من وحي الصحراء، كما خصّص الفنان لوحة لميناء تقليدي ربما كان تحية للعاصمة، كما صوّر بحرا هائجا تتداخل فيه السحب مع الأمواج وهو يوحي أيضا بعواصف الصحراء. للإشارة، الفنان بابي عبد الغني متخرّج من المدرسة الجهوية للفنون الجميلة بمستغانم وسبق وأن شارك في معارض جماعية، وها هو اليوم يحقّق حلمه في إقامة أوّل معرض فردي له بقلب العاصمة.