باحثون يتحدثون عن "استدامة التراث في زمن التغيير":
القصبة بحاجة للتخطيط والتحسيس ويد الذكاء الاصطناعي

- 538

نظّم المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، أوّل أمس، في إطار الاحتفال باليوم الوطني للقصبة تحت شعار "القصبة مهد الحضارات وملتقى الفنون" يوما دراسيا وتحسيسيا حول "تاريخ القصبة وواقعها، واستدامة التراث في زمن التغيير"، تناول فيه الخبراء جوانب من تاريخ القصبة وراهن الترميم والاستثمار فيه بوسائل العصر.
أكّد البروفيسور المتقاعد والباحث سابقا بمعهد الآثار خلال تدخله بعنوان "مدينة الجزائر عبر التاريخ" أنّ هذه المدينة العريقة التي أصبحت تسمى القصبة لم يبنها العثمانيون، إنّما جدّدوا فيها ودعّموها بالحصون وأثروها بالزخرفة، أما المدينة فقد كانت حاضرة منذ العصور الوسطى، وتأسّست قبل التاريخ وهناك شواهد منها آثار بالطريق الرابط بين عين البنيان وبني مسوس حاليا، والأكيد أنّ المدينة بقيت آثارها منذ فجر التاريخ وهي المرحلة التي تقع بين فترتي ما قبل التاريخ والتاريخ، مسهبا في ذكر بعض المواد الأولية في البناء منها الأحجار (الكاركان) والرخام، خاصة الموجود بمنطقة ميلة، وصولا إلى عهد بولوغين بن زيري الذي تغيرت في عهده هذه المدينة .
القصبة إبداع أصيل وليست استنساخا
وقف الأستاذ محمد طيب عقاب عند بعض المعالم الأثرية مثل المدافن الشاقولية العمودية التي يوجد نماذج منها في متحف الباردو، وكذا قطعة نقدية كشفت عن اسمها القديم "ايكوسيم" علاوة على جرّار ودلاء تعود إلى الفترة الفينيقية وجدت في منطقة لالاهم، وكذا قطعة خشبية في الكيتاني، يرجّح أنّها تعود إلى أسطول فينيقي، مضيفا أنّ مسجد سيدي رمضان مثلا بني على أنقاض القصبة البربرية، ليتم توسعة القصبة وتحصينها من طرف بلكين بن زيري بن مناد.
أكّد المتحدّث أيضا أنّ القصبة ذات وحدة عمرانية في أسوارها وأزقتها، وكلّ مبانيها ذات معايير إسلامية مثل تخصيص وسط الدار وقنوات داخل الجدران يمرّ منها الماء من الأعلى إلى الأسفل والجب وسقف مفتوح لكي تتنفس الدار ولا تتعرّض للاهتراء.
تدخّل أيضا المهندس المعماري بالمواقع والمعالم المحمية من خلال محاضرته بعنوان "حماية قصبة الجزائر بين التخطيط والتدخّلات الطارئة"، حيث أكّد أنّ العمارة المحلية ذات السمات الجزائرية، كانت ولا تزال موجودة بخصائصها، وتتجلى في تفاصيل وأقسام قصور وبنايات ومعالم المدينة مستشهدا في ذلك بمسجد "البراني" بالقصبة العليا بجانب القلعة الذي ساهم في ترميمه معطيا صورا عن حالته قبل وبعد الترميم، وهنا ذكر أنّ التدخّل الطارئ والأوّلي لحفظ المعلم يسبق عملية الحفظ والترميم، مؤكّدا أنّ القصبة لا تقتصر على المساجد والقصور بل هناك شبكة عمرانية واسعة منها الدويرات والمباني الأوروبية والواجهات والأبواب والممرات وغيرها كثير، مستعرضا بعض المشاكل التي تواجه الترميم منها مشاكل الورثة والأملاك الخاصة وهو أهمّ سبب، حسبه، يمثّل عقبة أمام التدخّلات، كذلك مشاكل الردم والأطلال التي تقفل الممرات.
تحدّث المهندس ناصر الدين عن ترميم مسجد "البراني" بعد أن كاد يسقط على المصلين في 2016، ليتحوّل بعدها لتحفة معمارية علما أنّه ذو طراز مغاربي ويشبه مسجد سيدي رمضان تأسّس قبل العثمانيين، ما يفنّد فرضية أنّ القصبة أسّسها العثمانيون، كما أنّ وسائل البناء مختلفة من ذلك تلبيس الجدران بالخشب (قيتن) وهي منتشرة في الحواضر الجزائرية، كذلك الزليج ذو 9 سم وهو مختلف تماما عن العثماني وكذلك النسيج وكلّ ذلك تم مراعاته في الترميم .
أما المهندسة الدكتورة باية بنوي المختصة في التراث المعماري فتناولت "تقييم الإمكانيات الأثرية لقصبة الجزائر على ضوء الاكتشافات غير المتوقعة"، لتعرض مخطّطات للقصبة عبر عدّة مراحل تاريخية، متوقّفة منذ العهد الفينيقي ثم الروماني وكيف أن هذه الحضارات اعتمدت الطرق البحرية لذلك، فقد ارتبطت القصبة بالبحر أيضا، ثم المدينة الأمازيغية العربية التي امتدت حتى موقع مستشفى آيت ايدير حاليا بأعالي القصبة مع مسجد "سيدي عبد الرحمن"، وهذه الامتيازات المعمارية والطبيعة المحصّنة هي التي جعلت، حسبها، من الجزائر المحروسة، كما تحدّثت بإسهاب عن مخطوط سالامونكا بسنة 1541، حيث تم رسم المدينة سنوات فقط قبل مجيء الأتراك وكان بها بوابات وممرات مائية وخنادق وكذا مباني سيدي كتاني قرب البحر للدفاع عن المدينة، قائلة إنّ هناك 268 مخطّط يستوجب استنطاقه بالبحث لإعادة قراءة التاريخ وكذا الاستعانة بها في الترميم.
تحديات اجتماعية تعيق الترميم
أثناء الفترة المسائية من اليوم الدراسي، تدخّلت المهندسة المعمارية فريال بوسطيل متناولة "قصبة الجزائر بين التحديات الاجتماعية والتراثية"، وقالت إنّ السكن التراثي القديم هو قيمة اجتماعية، لذلك يجب إدماج أصحابه في المساهمة في حفظ التراث بالتوعية والتحسيس والتواصل، وتأسّفت لبعض المظاهر السلبية، منها التي حدثت في الثمانينيات حينما هجر بعض السكان بيوتهم (الدويرات) وأصبحت القصبة تعني ذلك الحي الذي تعيش فيه الطبقات الدنيا من المجتمع، كما تحدّثت عن العراقيل التي تواجه المرمّم، منها مشاكل العقار والإرث وعدم تطبيق النصوص القانونية وفصل البيت المرمّم عن الحياة الاجتماعية، وكأنّه هيكل بدون روح، وكذا إدماج السلطات المحلية في حماية هذا التراث، لأنّه جزء من المدينة وليس منطقة مبتورة، كما يدّعي البعض، أنها تراث محفوظ ليس تابعا للسلطة المحلية وأحيانا تعدّد البلديات (5 بلديات) تتبعها القصبة يزيدها تعقيدا، وبالتالي وجب اليوم إدراج القصبة كغيرها من البلديات ضمن التنمية المحلية، ليأتي دور المنتخبين الذين كما تضيف، ليس لهم دور إلى حدّ الساعة في المساهمة في هذا التراث، فهم غائبون عن الحياة العامة، زيادة على حثّها بضرورة ترك المكاتب بالنسبة للخبراء والمسؤولين والذهاب للميدان كي تتحرك الأمور إلى الأفضل.