جائزة مالك بن نبي للتميز العلمي والفكري

المتوج مولود عويمر.. المثقف الفعال

المتوج مولود عويمر.. المثقف الفعال
  • 148
مريم. ن مريم. ن

نظم الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية، بالتنسيق مع مؤسسة "الأصالة للنشر"، أول أمس، بالمكتبة الوطنية، تكريما للبروفيسور مولود عويمر، بمناسبة منحه جائزة مالك بن نبي للتميز العلمي والفكري في طبعتها الأولى، تقديرا لمساره العلمي والثقافي الحافل والثري، الذي تجاوز الثلاثين عاما.

شهدت الاحتفالية حضور قامات علمية وفكرية بارزة، أجمعت كلها على ثراء التجربة العلمية للبروفيسور عويمر، وعلى أبحاثه في مجال التاريخ الثقافي وفلسفة الحضارة والتراث، مثمنين جميعا، المبادرة المتمثلة في جائزة مالك بن نبي للتميز العلمي والفكري في طبعتها الأولى، التي وقع فيها الاختيار على البروفيسور مولود عويمر.

التكريم ترسيخ لثقافة العرفان

أشاد الدكتور عمار طالبي رئيس الكرسي العلمي مالك بن نبي، بالمبادرة التي ترسخ ثقافة تكريم العلماء، ما يزرع الوعي في المجتمع ويثمن قيمة المعرفة والعمل، مضيفا أن التكريم هو احتفاء بقامة علمية خدمت الفكر والثقافة، وتميزت بالصرامة العلمية، وكان لها دور في التعريف بمالك بن نبي، ولابد للبروفيسور عويمر أن يكون نموذجا لغيره.

أما المؤرخ المعروف البروفيسور ناصر سعيدوني، فأعلن خلال تدخله، إشرافه على جمع المداخلات وإصدارها في كتاب يوثق هذا الحدث، مستغلا المناسبة، للتأكيد على أن الجامعة تعني في المقام الأول الأستاذ، فهو رأسمالها بعلمه وبحثه، بعيدا عن فكرة التوظيف الضيقة، زيادة على التأليف والنشر والالتزام بالأخلاق والقيم، أهمها الكرامة المنبثقة من كرامة العلم، داعيا بالمناسبة، إلى ضرورة الانفتاح والتواصل والخروج من الفضاء الضيق، كي تكون الجامعة قاطرة النهضة.

أما شهادته عن المتوج، فقال إنه عرفه وهو طالب في قسم الليسانس، ثم بفرنسا، واكتشف فيه الأخلاق والثقة العلمية ونشاطه غير العادي، وسرعته في قطع المراحل، مشبها إياه بالورثيلاني، مثمنا فيه أيضا إلمامه بالمعرفة الغربية وبالثقافة الإسلامية وبالواقع الجزائري في آن واحد.

توالت الشهادات وكانت ضمن ندوة مؤطرة، تدخل فيها الدكتور ميلود خلف الله من وزارة التعليم العالي، الذي أكد أنه يعرف المتوج منذ زمن ويقرأ كتبه ويحملها معه في مهماته العلمية، حيث عرضها مثلا بالهند، أما البروفيسور سعيد رحماني عميد جامعة الجزائر، فقال إنه يعرف البروفيسور عويمر من خلال الملتقيات العلمية والجامعة، مثمنا مساره العلمي والإعلامي، وأنه يقدم تراثا علميا وذخرا معرفيا.

دور إعلامي بارز

بدوره، تحدث الأستاذ يوسف مجبور، مدير الإذاعة الثقافية، عن حصص الأستاذ عويمر وبرامجه، منها مثلا "أعلام الإصلاح" و"مستشرقات" و"مثقفون ملتزمون" و"فصل الخطاب" وغيرها، وكان في كل ذلك ملتزما بالتحضير الجيد والتقديم المتميز. تقدم أيضا الأستاذ سعدي بزيان، الذي عرف المتوج عويمر بباريس، منها الحي اللاتيني ومسجد باريس والمقاهي وغيرها، واستمرت هذه العلاقة بفرنسا لمدة 10سنوات، وقد ذكر أن البروفيسور عويمر كان نشطا يراسل عدة صحف عربية وجزائرية، وأنه نشط معه محاضرة بمسجد باريس، لذلك وصفه بالمثقف الفعال، كما قام بالتدريس بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية بسانت دوني.

انفتاح على المعرفة وتجاوز الإيديولوجية الضيقة

بعد استراحة قصيرة، استؤنف اللقاء بجلسة ثانية، شارك فيها البروفيسور علي تابليت، الذي قال إنه عرف الأستاذ عويمر في المكتبة الجامعية، وانجذب لأخلاقه السامية جدا، وأعجب بإنتاجه الغزير، وكان لا يفوت المناسبات العلمية، أما الدكتور أرزقي فراد، فوصف المتوج بأنه مسلح بالتجارب والفكر الإنساني، لا يعرف الكلل ولا الملل، ولا يجد سعادته إلا في التأليف، متجاوزا المقاربات الإيديولوجية والعرقية من أجل بناء الوعي عند الإنسان حيثما كان، وأضاف "نصحته يوما أن يشفق على صحته، وما عاناه من مشقة الأسفار، ورأيت فيه مشروعا فكريا وصدقت فراستي فيه".

من الشهادات أيضا في هذه الجلسة، شهادة عبد القادر قلاتي، رئيس تحرير مجلة "البصائر"، الذي عرفه من خلال مجلة "رؤى" التي كانت تصل حتى القارئ العربي، ثم اشتغل معه بـ«البصائر” في 2012، واستفاد من نقاشاته وجلساته الطويلة، خاصة مع الراحل سعيد شيبان، متأسفا عن عدم تدوين تلك السجالات، مشيرا أيضا، إلى أنه من القلائل الذين اهتموا بحركة الإصلاح وتاريخه في العالمين العربي والإسلامي.

ذكريات من الماضي الجميل

حمل تدخل الدكتور محمد دراوي جانبا إنسانيا حميميا، فهو لا يزال يذكر أول لقاء مع رفيق عمره البروفيسور عويمر وهما معا بفناء جامعة خروبة، أي منذ سنة 1987، وربطت بينهما رؤاهما ومشاعرهما المتطابقة، مستحضرا التأثر بأساتذة ذلك الجيل الذي كان له الفضل، ثم يذكر أن الأستاذ عويمر لم يكن يكتف بما يحصل عليه في المدرج، بل يسعى لكل حدث ثقافي علمي مقام، خاصة الندوات والملتقيات، وعاد المتدخل أيضا إلى أيام الإقامة الجامعية بباب الزوار (3) غرفة “ت10”، حيث كان الرفقاء يسهرون الليالي حول إبريق الشاي، وهم يخوضون مناقشات علمية، وقد أسس المتوج نادي المؤرخ بالجامعة حينها، وهو طالب كان هو زميله، ثم تلميذه في الماجستير والدكتوراه، لتستمر العلاقة لأربعين سنة.

تقدمت أيضا البروفيسور دويدة، وهي أول طالبة دكتوراه أشرف عليها الأستاذ عويمر، ومما قالته، إن أستاذها علمها كتابة تاريخنا دون أن نحمله أوهامنا مع ترتيب الأسئلة، وفق تعابير عميقة  تنطلق من الوعي. بالمناسبة، عبر البروفيسور مولود عويمر، في كلمته، عن امتنانه لكل الحضور، مبديا تأثره العميق، خاصة عندما ذكر أسماء من أفراد عائلته، وفي مقدمتهم والده الراحل أحمد، ثم والدته السيدة فاطمة الزهراء، متمنيا لها الصحة، وكذلك أخته الكبرى خديجة وكل إخوته، ثم زوجته الدكتورة صليحة، التي قامت على رعايته وتربية أبنائه، مؤكدا أن التكريم تقدير لمسيرته ذات 30 عاما، انصرف فيها للتعليم والتأليف، وهو الذي قال لمعلم القرية في مدرسته ببوغني، سأكون عالما عندما أكبر، ذاكرا أن التاريخ كان يتجول بداخله وهو طفل، مستحضرا 12 سنة من الغربة في فرنسا للدراسة، ثم العودة لأرض الوطن، مشبها نفسه بالطلبة الأوروبيين الدارسين بالأندلس، والذين رجعوا لبلدانهم يحملون العلم.

للإشارة، البروفيسور عويمر من مواليد 1968 ببوغني في تيزي وزو، نشأ في بيئة محافظة، ونال البكالوريا سنة 1987، ليلتحق بجامعة الجزائر، تخصص تاريخ، ثم التحق بجامعة بواتيي بفرنسا، ليحصل في اختصاص التاريخ المعاصر على الماجستير، ثم الدكتوراه من جامعة باريس.