ملتقى وطني يسلّط الضوء على التراث الأدبي الجزائري

المخطوط والمطبوع في مواجهة التحديات الرقمية

المخطوط والمطبوع في مواجهة التحديات الرقمية
  • 140
د. مالك د. مالك

نظّمت جامعة "أحمد زبانة" في ولاية غليزان ممثلة في مختبر الفيلولوجيا وتحقيق النصوص اللغوية والأدبية، أمس، ملتقى وطنياً بعنوان "التراث الجزائري الأدبي والنقدي - المخطوط والمطبوع"، قصد إحياء الذاكرة الأدبية الوطنية، وتثمين التراث الثقافي الجزائري في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.

يعكس هذا الملتقى الذي نظّمته فرقة البحث "تحقيق المخطوطات"، أهمية تسليط الضوء على التراث الأدبي الجزائري بمختلف تجلياته، سواء كان مخطوطاً نادراً أو مطبوعاً متداولاً، من خلال منهج علمي يجمع بين الأصالة والمعاصرة. ويهدف الملتقى إلى إعادة الاعتبار لهذا الموروث الثقافي العريق، الذي يُعد رافداً حضارياً مهمّاً، يعكس الهوية الثقافية للجزائر.

وتؤكّد اللجنة المنظمة أنّ الأدب على اختلاف أنواعه ومعانيه، يظلّ مرآة صادقة لما يختلج في النفس البشرية من عواطف وأفكار. كما يُعد وسيلة تعبيرية راقية تنقل التجارب الإنسانية إلى القارئ، وتؤثر في وجدانه بما تحمله من قيم جمالية وأبعاد فنية. وبذلك يشكل الأدب حلقة وصل بين الماضي والحاضر، ويبرز الجمال والقصور في المجتمعات، من خلال قراءة نقدية واعية تعمّق الفهم الثقافي والتاريخي.

كما يُعد التراث الأدبي الجزائري من أغنى الموروثات الثقافية في المنطقة، لما يتضمنه من تنوع لغوي وثقافي يعكس عمق الهوية الوطنية؛ فلا يقتصر هذا التراث على الأدب المكتوب باللغة العربية فقط، بل يشمل أيضاً الأدب الأمازيغي بمختلف تعبيراته، الذي يمثل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجماعية رغم ما يعانيه من نقص في التوثيق والدراسة مقارنة بالأدب العربي.

وبالرغم من القيمة العلمية والأدبية الكبيرة لهذا التراث، فإن الكثير منه لايزال حبيس الرفوف أو مجهولاً لدى شرائح واسعة من المجتمع. ويرجع ذلك إلى غياب الجهود الكافية للتعريف به، وتحقيقه، ونشره، وهو ما يجعل من الملتقى فرصة علمية لإعادة قراءة هذا التراث، واكتشاف كنوزه المخبأة. وساهمت الرقمنة في السنوات الأخيرة في إتاحة عدد معتبر من المخطوطات الجزائرية عبر منصات إلكترونية، ومكتبات دولية. 

هذا التطور التكنولوجي فتح آفاقاً جديدة أمام الباحثين والمثقفين لدراسة التراث الأدبي الجزائري، وسمح لهم بالاطلاع على المخطوطات النادرة التي كانت محجوبة عن الأنظار. كما ظهرت العديد من المبادرات الرقمية التي تهتم بالتعريف بهذا التراث، ما يعكس وعياً متزايداً بأهمية حفظ الذاكرة الثقافية الوطنية. ويأمل المنظمون أن يشكل هذا الملتقى نقطة انطلاق لأعمال علمية رصينة، تسهم في إحياء التراث الأدبي والتقليدي، وأن يكون خطوة أولى نحو مشاريع تحقيق المخطوطات الجزائرية، وإعادة نشرها، بما يخدم البحث الأكاديمي، ويغني المكتبة الوطنية. 

كما يهدف الملتقى إلى إبراز مكانة الأدب الأمازيغي كعنصر أساسي في المشهد الثقافي الجزائري، مع التأكيد على دوره في إثراء التعبير الفني، سواء من خلال الأشكال الشفوية أو المكتوبة. ويمثل هذا الملتقى محطة هامة في مسار استعادة الذاكرة الثقافية الجزائرية، وفرصة لتعميق النقاش حول سبل صون التراث الأدبي وتثمينه في ظل التحديات التي تفرضها العولمة. وبذلك يُتوقع أن يكون الملتقى نقطة تحول نحو الحفاظ على هذا التراث، ونقله إلى الأجيال القادمة بأبهى صورة، مع التأكيد على أهمية استدامته كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية الجزائرية.