معرض “مرحبا يناير” بقصر الداي بحسين داي
بانوراما عابرة للذاكرة والهوية
- 445
مريم. ن
يحتضن قصر الداي بحسين داي، إلى غاية 29 جانفي الجاري، فعاليات معرض “مرحبا يناير”، احتفاء بالسنة الأمازيغية، حيث تعكس لوحات الفنانين المشاركين، مشاهد من عادات وتقاليد هذه المناسبة، إضافة لمختارات من الطبيعة، التي تحتضن الريف بكل خصوصياته النابضة بالأصالة، لتشترك تلك الأعمال كلها في تحية عرفان وإكبار لأمازيغ الجزائر.
تتزاحم لوحات المعرض، التي تتناول كلها مناسبة يناير بكل تجلياتها الاجتماعية والثقافية الفنية، وتعطي لها بعدا جماليا مستمدا من الأصالة، سواء من حيث الألوان أو التصاميم والزركشة والرموز، مع لمسة من الحنين لتلك الأصالة التي بقيت حية في الوجدان، رغم مرور الأزمان.
بركة خيرات الأرض والسماء
من المشاركين في المعرض، الفنانة فتيحة حميدي، التي دخلت البيئة القبائلية من بابها الواسع، فاتجهت مباشرة لموسم جني الزيتون، هذه الغلة التي تجمع الناس في تعاون وبهجة، يلتقي فيها الصغار والكبار في كل مرة، وقد رسمت شابة بلباسها القبائلي المزركش، وهي تجني الزيتون بالطريقة التقليدية، لتلتقطه بعدما جمعته في بساط خاص، تم فرشه تحت الشجر. من بين لوحات الفنانة فتيحة “نساء الجرار”، وهو مشهد عرفت به منطقة القبائل، حين تسير النساء من القرية في سرب واحد نحو الجداول والعيون، لتملأ جرار الفخار، وقد أبدعت في تفصيل فساتينهن، مع إدخال بيوت وحقول القرية ضمن إطار اللوحة، ليزيدها ذلك بهاء، أما لوحة المرأة البربرية، فهي تحية خاصة للبربرية التي حافظت على هذا التراث، وظلت متمسكة به في لباسها وعاداتها وسلوكها اليومي، وقد ركزت الفنانة على إظهار الملامح الجميلة لهذه المرأة، وأناقتها وهي ترتدي الملحفة .
ارتبط يناير بالأطباق التقليدية، التي تحضرها العائلات الجزائرية في هذه المناسبة، لذلك رسمت الفنانة لوحة عنوانها “طبق الكسكس
القبائلي”، وحرصت على رسم القدر و"الكسكاس” بالفخار، وهما يغليان فوق نار المجمر، أو الكانون، ما يوحي أيضا بدفء الشتاء حينما تجتمع العائلة حول يناير.
أما الفنانة منى حسين، فاتجهت للطبيعة في منطقة القبائل، من ذلك منظر جبال جرجرة البعيدة، التي يذوب فيها الثلج ليتحول ماء زلالا، يمتد نحو الأنهار المتدفقة التي تشق الأراضي والغابات الندية، كما خصصت لوحة عملاقة للطبيعة الميتة، تصطف فيها الأواني الفخارية، منها إناء زيت الزيتون، وبجنبه فاكهة التين المجفف و"الجفنة” رمز الخيرات والغلال.
بدورها، رسمت الفنانة حياة خيدر سغني منطقة القبائل، مكتفية بالنساء اللواتي ظهرن في كل شكل وزي سواء، وهن يسرن جماعات نحو منبع الماء، أو في شؤونهن اليومية، مع إبراز زيهن التقليدي، سواء اليومي البسيط أو في المناسبات العائلية، من ذلك الحلي الفضية المرصعة بالأحجار الملونة، أو بالملحفة أو الفستان الأبيض المزركش، أو بالوشم الذي يخط وجهها الصافي.
الشاويات بمشاعر إنسانية غالبة
شاركت في معرض “مرحبا يناير” أيضا، الفنانة أنيسة مسدور، التي حضرت بلوحاتها من الحجم الكبير وبالأبيض والأسود، لتبدو كصور أرشيف مهربة من ذاكرة الأوراس، خاصة حين تلتقي الشاويات بكل حب وطيبة، لم تدنسها لا العصرنة ولا أهوال الزمن، بل ظلت المشاعر الإنسانية هي الغالبة، كما رسمت نفس الفنانة قبائليات مغمضات العيون، وكأنهن يحلمن أو يتظاهرن بالنوم فقط، وكانت إحداهن تحتضن رضيعها النائم كالملاك، وغير بعيد، علقت لوحتها التشكيلية بالألوان المائية، لسيدة قبائلية وسط الدار مع قربة الحليب، لتحضر اللبن، وأمامها صغيرها يأكل قطعة خبز.
اختار الفنان سالم أحمد أمين الحبر الصيني، ليصور البيئة القبائلية التقليدية، منها موسم جني الزيتون، وكذا النسوة المتعاونات في عصر الزيتون بطاحونة كبيرة تقليدية، كما صور في لوحته “إناء البركة”، خيرات البيت القبائلي من كسكس وتين وزيتون، مضيفا لوحته “غابة أكفادو” بالألوان المائية، حيث تتوازى الدروب لتؤدي لأدغال هذه الغابة الكثيفة بأشجار الأرز.
اختار الفنان عمر بوشوشي رسم الفخار، ليرصعه بالرموز الأمازيغية التي تظهر على شكل حلي، كما خصص لوحات لحروف التفيناغ، مع خلفية تشبه الفوطة القبائلية.
خصص بعض هؤلاء الفنانين لوحات للمرأة الترقية بكامل زينتها وحليها الفضية، مع إبراز عيونها الواسعة التي تشع بالجمال والسحر.
للإشارة، أغلب اللوحات (ما يقارب 30 لوحة) يبرز فيها التراث الأمازيغي، اعتمدت أغلبها على الأسلوب الواقعي، الذي يعكس أكثر من غيره معالم هذا التراث، منه جماليات صناعة الحلي الفضية والأزياء والريف ويوميات القرويين والطبيعة وغيرها، وكل ما يخص مكونات التراث والهوية.