“متيجة للدراسات الإنسانية” في عددها الأخير

تراث فكري يفعله البحث ويثمنه النشر

تراث فكري يفعله البحث ويثمنه النشر
  • 273
مريم . ن  مريم . ن 

صدر العدد الأخير من مجلة “متيجة للدراسات الإنسانية” (مجلة علمية دولية محكمة سداسية ومجانية) عن جامعة البليدة (2) “علي لونيسي” بالبليدة، متضمنا العديد من المواضيع والدراسات المعمقة، التي تخوض في العديد من الشؤون الثقافية والتاريخية والفكرية.

 تهتم هذه المجلة، حسب المشرفين عليها، بمجال العلوم الإنسانية وتوفر منصة أكاديمية للباحثين، للمساهمة في العمل المبتكر في هذا المجال، ببحوث أصيلة معروضة بدقة وموضوعية، وبشكل علمي يطابق مواصفات المقالات المحكمة، ويتم نشر المجلة في كل من الإصدارات المطبوعة والإلكترونية، وهي متاحة للقراءة والتحميل، وهي تفتح فضاء لجميع أصحاب القدرات العلمية، للمساهمة في أعدادها بأحد المواضيع المستجدة المتعلقة بمجال تخصصها، كل سداسي (جوان-ديسمبر).

من مواضيع هذا العدد الأخير، دراسة عن “علماء زواوة ودورهم العلمي في المشرق العربي خلال الفترة المعاصرة-العلوم الشرعية أنموذجا” للكاتب بوسعد الطيب، وجاء في ملخصها التعريف بقبيلة زواوة وفروعها وذكر محامدها وفضائلها، ثم قدم الباحث لمحة عن علماء زواوة في الفترة العثمانية، مركزا ـ كما أشار- على سرد تراجم علماء زواوة في العلوم الشرعية (القرآن- الحديث- الفقه) خلال الفترة المعاصرة، وبيان تأثيرهم العلمي في المشرق العربي (مصر - بلاد الشام)، وتعريفهم بالقضية الجزائرية ومساندتهم لحركات التحرر العربية.

دراسة أخرى قدمها الباحث عبد المجيد قاسمي الحسني، بعنوان “دلالات الإقصاء في الموروث الشفوي الشعبي الجزائري حكاية سعدية المغبونة أنموذجا”، تتناول هذا المقال حكاية “سعدية المغبونة” من منظور أنثروبولوجي، مسلطة الضوء على دلالات التنمر والإقصاء في الموروث الشفوي الجزائري، كما تستعرض الدراسة أوجه التشابه والاختلاف بين هذه الحكاية ونظيراتها العالمية، مثل “سندريلا” و"كاثرين وأخواتها”، موضحة كيف تعكس هذه السرديات الشعبية البنية الاجتماعية والثقافية لمجتمعاتها. 

من خلال التحليل السيميولوجي والأنثروبولوجي، كما يوضح ذلك الكاتب، تكشف الدراسة عن رمزية الاضطهاد والخلاص، وإعادة إنتاج السلطة الاجتماعية في الحكايات الشفوية، كما تبرز أهمية هذه السرديات في فهم التحولات الثقافية والأنماط السلوكية داخل المجتمعات التقليدية، مؤكدة دورها كأداة لنقل القيم والتجارب عبر الأجيال.

مما نشر أيضا، دراسة بعنوان “عبد العزيز الثعالبي وتأثيره على الاتجاهات الإصلاحية في العالم العربي والإسلامي من خلال نضاله السياسي ونشاطه الصحفي” للمؤلفة شهرزاد لمجد، تتناول تأثير عبد العزيز الثعالبي في الحياة الفكرية والسياسية والصحفية المعاصرة بالعالم العربي والإسلامي، وهو شخصية جزائرية تونسية فذة، جمعت في ممارستها بين الفكر والعلم والأدب والسياسة والصحافة، واستطاعت أن تكون سباقة أو من السباقين إلى مناهضة الاستعمار، وإنشاء الأحزاب السياسية، وإصدار الصحف في وقت كانت البلاد العربية والإسلامية تشهد فترة مروعة ومظلمة من تاريخها، بفعل الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي، وفي حقبة شهدت انهيار الدولة العثمانية وانفراط عقدها. 

وقد شكل الثعالبي خطرا على الوجود الاستعماري داخل تونس وخارجها، فتم استهدافه والتضييق على نشاطه، وتعرض للنفي مرتين على الأقل، لكنه ظل ثابتا على خطه النضالي، وتمكن خلال مساره، من تسجيل أثره الرمزي والمعنوي في إيقاظ الوعي وغرس الروح التحررية وتكريس النزعة الإصلاحية، وأثره المادي الماثل للعيان في شكل حركات ومؤسسات حزبية وصحفية وتراث ثري من الكتابات، إما في شكل مقالات أو محاضرات أو رسائل وخطب أو كتب.

من الأسماء التاريخية الحاضرة في هذا العدد العلامة أحمد المقري، حيث أبرزت الباحثة ليلى غويني نبوغه العلمي وشهرته بين علماء عصره في ضوء مؤلفاته، مشيرة إلى أن هذه الدراسة تهدف إلى إبراز مظاهر الذكاء والتميز العلمي لدى العلامة أحمد المقري، من خلال مؤلفاته المتنوعة في العلوم الشرعية، والتاريخ، والتراجم، والأدب والرحلة. 

احتل المقري مكانة علمية بارزة في المغرب والمشرق خلال القرن الحادي عشر الهجري، وشهد له معاصروه بالتفوق في الفقه وأصوله وعلوم القرآن والحديث واللغة، وقد تناولت الدراسة نشأته العلمية بتلمسان، ورحلاته إلى فاس ومراكش والحجاز والمشرق، وتوليه مناصب علمية ودينية مهمة، خاصة الإفتاء بجامع القرويين، كما أبرزت تميزه في التأليف الفقهي والعقدي، والتزامه بالمذهب المالكي، ومكانته في مجال الفتوى ومعالجة النوازل.  أكدت الكاتبة أيضا أنها تطرقت إلى إسهاماته في التاريخ والتراجم، التي اتسمت بسعة الموضوعات والمنهج الموسوعي، وخلصت كذلك إلى أن شهرة المقري تعود إلى تنوع إنتاجه، وتميز منهجه، واتساع علاقاته العلمية، ودوره في التدريس ومنح الإجازات.