حسان باشا أحبط مؤامرات فرنسا ضد الجزائر
حقائق تاريخية مثيرة يكشفها الأرشيف الأمريكي
- 120
مريم. ن
احتضن المتحف العمومي الوطني البحري مؤخرا، فعاليات الندوة العلمية “داي الجزائر حسن باشا 1792 ـ 1798 والعلاقات الجزائرية الأمريكية في الفترة العثمانية: قراءة تاريخية في الوثائق والمنشآت “، حيث تم تقديم وثائق من الأرشيف الأمريكي يحوي الكثير من الأحداث التاريخية المهمة التي عاشتها بلادنا، خاصة منذ القرنين 17 و18 م. كما توقفت الندوة عند الداي حسان، والإنجازات التي تحققت في عهده.
نشط الندوة البروفيسور المعروف علي تابليت، الذي تناول في مداخلته “العلاقات الجزائرية - الأمريكية بين السلم والحرب 1815 - 1776”، جوانب مهمة من هذا التاريخ المشترك، معتمدا على وثائق وأرشيف تحصّل عليه من خلال أسفاره، منها للولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، مثمنا بالمناسبة أرشيف المكتبة الجامعية بالجزائر، التي بها تراث أرشيفي وتاريخي لا يقدَّر بثمن.
واستحضر المتحدث بالمناسبة، تاريخ الريس حميدو، علما أنه عاصر الداي حسان باشا، مقدما الكثير عن إنجازاته التي عزز بها الأسطول والدولة الجزائرية حينها، مؤكدا أنّ كتابا خاصا بهذا القائد صدر في الولايات المتحدة، إضافة إلى حضوره في فصل كُتب عن الجزائر ضمن كتاب بعنوان: “الولايات المتحدة والعالم الإسلامي”.
وأثار البروفيسور بالمناسبة أهمية الترجمة، خاصة في الوثائق والعقود والمواثيق وغيرها، معتبرا أنها لاتزال دون المستوى في العالم العربي، وهو ما ينعكس على عملية النقل، علما أنه باعتباره متمكنا من اللغة الإنجليزية منذ شبابه (درسها بالمشرق وببريطانيا)، استطاع أن يترجم بعض الوثائق والفصول، منها الفصل المذكور في الكتاب الأمريكي المخصص للجزائر، فيما ينشر بعض الوثائق بلغتها الأم فقط دون الترجمة؛ بسبب ركاكة هذه الأخيرة.
كما نبه المحاضر إلى السرقات العلمية التي تجري في وضح النهار، مؤكدا أنها طالت بعض أعماله وأبحاثه العلمية وكتبه (38 كتابا) التي استغرقت منه سنوات من الجهد والبحث والتجوال خارج الجزائر، مستشهدا بسرقة كتابه الهام “رحلة حمدان خوجة إلى قسنطينة سنة 1832” ، ومذكرا بأنه دخل عاصمة الشرق رفقة ابنه علي. وعن طريق معارفه استطاع البروفيسور تابليت أن يحصل على وثائق مهمة من مكتبة باريس الوطنية، وكان ذلك في فترة الثمانينيات. وعند ترجمة الكتاب حُذف اسمه من طرف أحدهم بمدينة قسنطينة. كما تم تغيير غلاف كتاب له من طرف ناشر تعامل معه، وأعاد نشره ضمن تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة الإسلامية دون أن يستشيره.
وتوقف المحاضر عند كتابه الهام (سلّم جزئيه للمتحف البحري بعد اللقاء) “معاهدات الجزائر مع بلدان أوروبا والولايات المتحدة 1619 ـ 1830” ، الذي يؤكد أن الجزائر كانت ضمن القوى الكبرى في البحر المتوسط الأطلسي، وبحر الشمال.
الكتاب ثمرة عمل متواصل طيلة ثلاث سنوات. بدأ بفكرة جمع معاهدات الجزائر الموقّعة مع البلدان الأوروبية، وبالتحديد علاقات الجزائر مع الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1981. غير أن هذا البحث أخذ منه 27 سنة من البحث والترحال الى فرنسا، وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على نفقته الخاصة. وعن حسان باشا قال المحاضر إن المعلومات عنه شحيحة، لكن وثائق مهمة من الأرشيف الأمريكي بها الكثير من المعلومات عن الدولة الجزائرية قبل الاحتلال وأثناءه، مؤكدا أنه يتعاون منذ 2004 مع باحثة أمريكية تزوده بالوثائق والبحوث، علما أنها زارت الجزائر لاستكمال بحثها عن الأسرى في الجزائر إبان الفترة العثمانية.
حسان باشا ... “ نحن دولة”
أشار المتحدث إلى أن حسان باشا لعب دورا كبيرا في الاعتراف بالثورة الفرنسية، وفي تحرير وهران من الإسبان، وعلاقته المتينة مع الولايات المتحدة؛ كتبادله الهدايا مع جورج واشنطن. وبالمناسبة، ذكر المتحدث أيضا أن راية الريس حميدو موجودة الآن في متحف الجيش الأمريكي، وهو يحاول جاهدا تصويرها.
حسان باشا شهدت الجزائر المحروسة في عهده، الرخاء، وتوسع الأسطول. وهذا الحاكم وُلد في جنوب جورجيا. ثم هاجر إلى الجزائر. وتدرج في المهام ابتداء من الأسطول البحري. ثم قاد الإصلاحات. وعُرف بعبارته: “نحن دولة” ؛ لذلك نصبت له بعض الدول المكائد، خاصة فرنسا وإسبانيا.
فرنسا تعاملت بخبث مع الولايات المتحدة
استعرض المتحدث مؤامرات فرنسا؛ منها قطع الطريق عن الأسطول الجزائري؛ كي لا يصل إلى الأطلسي. ثم تجنيد 15 ألف جندي فرنسي بقيادة لافييت لدعم الولايات المتحدة في حربها مع بريطانيا، ثم الانقضاض على الجزائر، لكن مشروعها فشل. والولايات المتحدة كانت ترى تصرف فرنسا خبيثا، وهو ما تدعّم مع الزمن وصولا إلى سنة 1962، حينما كشف مؤرخون أمريكيون قيمة الأموال المنهوبة من الجزائر عند الاحتلال، وتسترت فرنسا على قيمتها، وهربتها.
المحاضرة الثانية كانت للدكتور سعيد بوزرينة، أستاذ آثار عثمانية بالمركز الجامعي نور البشير بولاية البيّض، بعنوان “حسان باشا “1791-1798م سياسته وإنجازاته المعمارية” .
وتوقف المحاضر عند معلَم مسجد كتشاوة الشهير، الذي كان سنة 1640 عبارة عن مبنى صغير هُدم، وبُني عليه المسجد. وتشبه مئذنتان منه العمارة المشرقية بعدما تم إرسال مهندسين إلى القاهرة لأخذ هذا الطراز.
وكان هذا المسجد محل إعجاب الأجانب منهم القناصلة في العهد العثماني. وذكر المتحدث خصائص عمارته، منها استخدام القباب المركزية المضلعة، وشكل المآذن المثمنة، واستخدام المنابر الرخامية الثابتة، والبلاطات الخزفية على نطاق واسع في المحاريب، وتكسية الجدران، واستخدام أساليب وعناصر زخرفية تركية. وأسس حسان باشا أيضا مسجد الباشا بوهران، وزاوية سيدي امحمد ببلوزداد، وبنى قصر الباشا، إضافة لإسهاماته في العمارة العسكرية، منها بناء ثكنة باب عزون سنة 1796 الموجودة إلى اليوم، وكذا جنان الباي بباب الواد، وباب المغاسل قرب مصنع القرميد، ووقف مصحف على الجامع الجديد بالقصبة وغيرها.
وسألت “المساء” خلال المناقشة البروفيسور تابليت عن إمكانية استغلال الأرشيف الأمريكي الخاص بتاريخنا، فردّ قائلا: “أنا زرت الولايات المتحدة على نفقتي، وصورت ما استطعت (150 صورة وثيقة)” . وسألت “المساء” أيضا الدكتور بوزرينة عن العمران العثماني في الجزائر الذي يقال إنه لم يكن مستتبا كما ينبغي، فردّ أن العمارة العثمانية تزاوجت مع العمارة المحلية وكانت هناك حرية مطلقة في اقتناء التصاميم، ولم يُفرض نمط معيّن”.