في افتتاح الملتقى الدولي حول المخطوطات، بن دودة:
حماية الجزائر لتراثها مرتبطة بسيادتها التّامّة على أرضها
- 186
نوال جاوت
❊ إطلاق مشروع طموح لطبع الكتب المحقّقة وتشجيع المشتغلين فيه
❊ رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبّون الرّاعي الأوّل للمشاريع الحضاريّة
❊ السعي لتعزيز إمكانيّات المؤسّسات المختصّة وتكثيف عمليّات الرّقمنة
❊ ضمان دورات تدريبيّة في حفظ المخطوط وترميمه
أكدت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة، أنّ حماية الجزائر لتراثها المخطوط، كانت دوما مرتبطة بسيادتها التّامّة على أرضها، وبحرصها المستمرّ على تدوين مقاومتها لكلّ أنواع الغزو. وقد أنشئت لتحقيق ذلك المؤسّسات المؤهلة للاضطلاع بهذه المهمّة النبيلة. وكانت المكتبة الوطنيّة الجزائرية هي الحصن الأول، الذي أنقذ تراثنا من المخطوطات الّتي حاول الاستعمار حرقها، وسرقتها، وتدميرها، معلنة عن إطلاق مشروع طموح موجّه للمحقّقين لطبع كتبهم المحقّقة، وتخصيص ميزانيّات هامة لدعم هذا التّوجه، وتشجيع المشتغلين فيه.
أشارت بن دودة، أمس الإثنين، خلال افتتاح أشغال الملتقى الدوليّ حول "طرق الحبر في الجزائر: المخطوط حضارةٌ وتراثٌ" بالمركز الدولي للمؤتمرات "عبد اللطيف رحال"، إلى السعي لتعزيز إمكانيّات مؤسساتنا المختصة في المخطوط، من خلال مواصلة تكثيف عمليّات الرقمنة، وتحديث مخابر حفظ وترميم المخطوط، وغيرها من العمليّات المتواصلة، شاكرة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبّون الرّاعي الأوّل لهذه المشاريع الحضاريّة، والموجه بإيلاء المخطوط الأولوية الكبرى.
كما أثنت على تعاون الجيش الوطني الشّعبيّ ممثّلا في مديريّة الصّناعات العسكرية، نظير استجابته السّريعة لصناعة شاحنات مخابر طرق الحبر المتنقّلة المجهّزة، لزيارة الخزانات المنتشرة عبر الوطن، وفي حفظ وترميم ورقمنة وفهرسة المخطوط، فضلا عن التّكفل بضمان دورات تدريبيّة في حفظ المخطوط وترميمه لفائدة أصحاب الخزانات والجمعيّات والنّاشطين في هذا المجال.
وبعد أن تحدّثت عن رقمنة آلاف المخطوطات والسعي من خلال الإجراءات المتّخذة إلى مضاعفة هذا الرّقم في غضون السّنتين المقبلتين، توقّفت الوزيرة عند المركز الوطنيّ للمخطوط بأدرار، الذي أنشئ لحماية المخطوطات وتوثيقها وترميمها بالتّعاون مع أصحاب الخزائن، الّذين ساهموا في الحفاظ على هذا التّراث جيلا بعد جيل، قائلة: "مازالوا قائمين عليه بإخلاص كبير. ونحيّي عملهم الدّؤوب والمسؤول لحفظ وإنقاذ آلاف المخطوطات المستقرّة في خزاناتهم".
وعن اختيار هذا الموضوع، قالت بن دودة إنّه لم يأت صدفة، بل جاء بعد تفكير طويل، ورصدٍ متأنّ للتّصورات المؤسّسة لمشروع ثقافيّ متكامل، يجمع بين التّراث والحداثة، فكانت فكرة المخطوط باعتباره النّواة الحيّة الّتي تلتقي حولها ممارساتٌ وتعابير ثقافيّةٌ ترسّخت عبر القرون، وصارت تشكيلة حضاريّة، وصيغة جماليّة، "تبرز كيف يمكن الكتابَ أن يكون محور وجود، وحكاية شغف، ورهانا نبيلا، وأن يصبح المخطوط الضّائع والمكتشف من جديد، والمبحوث عنه بحرص وعناية، مصدر إلهام للرّحّالة، والمغامرين، والأدباء، والسّينمائيّين، والباحثين، ليتأسّس تراثٌ كاملٌ في جغرافيات شاسعة ومختلفة، يروي أوديسة طرق الحبر".
وزيرة الثقافة والفنون وهي تتحدّث للمجتمعين بالمركز الدولي للمؤتمرات ليومين، لم تنس جهود المحقّقين والباحثين والمختصّين، الّذين مكّنوا من حفظ وتيسير وصول محتوى المخطوط إلى المهتمّين، وعلى وجه الخصوص ما ارتبط بتاريخنا وثقافتنا، وسائر العلوم والمعارف.
هذه العائلات الموجودة في كامل التّراب الوطنيّ شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وامتدّ تأثيرها إلى أعماق إفريقيا عن طريق رحلاتها وتنقّلاتها القديمة لنشر الإسلام، ونقل العلوم والمعارف إلى أبعد نقطة. وقد استثمرت كثيرا في تطوير طرق الحفظ والتّرميم، من خلال تأسيس الجمعيّات المختصّة، والانفتاح على التّطوّرات التكنولوجيّة.
وزادت بن دودة أنّ المخطوط ليس فقط محمولا دينيّا ومعرفيّا، بل جزءٌ من سياق جيوسياسيّ، وحوار حضاريّ بين الجزائر ومحيطها، مثّل لقرون طويلة، وما يزال، رسالتنا الإنسانيّة لباقي الشّعوب، والقوّة النّاعمة الّتي أسّست لدبلوماسيّتنا الثّقافيّة، ليؤكّد أنّ طرق الحبر كانت تمثّل نفس الأبعاد الاستراتيجيّة الّتي مثّلتها الطّرق التجاريّة، وما يدور في فلكها من أساطير وحكايات وعلاقات إنسانيّة.
وعرف افتتاح الملتقى الدولي حول "طرق الحبر في الجزائر: المخطوط حضارةٌ وتراثٌ"، تكريم عدد من أصحاب الخزائن الخاصة، والمحقّقين، والباحثين، والمختصّين؛ على غرار الشيخ الطيب شاري من أدرار، والشيخ محمد بلمدني من توات، والشيخ عبد القادر بوياه من عين الصالح، إلى جانب الشيخ هني بن علي من قسنطينة، والشيخ مصطفى بن عمر وكذا المؤرخ والمحقق الراحل رابخ بونار، والمهدي المعدلي، والدكتور الراحل يحي بوعزيز، والراحل عيسى ونوسة، والصحفي هشام داووش.
للإشارة، يشكّل الملتقى العلمي حول المخطوطات محطة معرفية مهمّة تجمع نخبة من الباحثين والخبراء من داخل الجزائر وخارجها، لمناقشة مختلف القضايا المرتبطة بحفظ التراث المخطوط وتثمينه. وقد توزّعت أشغال هذا اللقاء عبر سبعة محاور رئيسية، تعكس في مجملها تداخلا بين البعد التراثي والتطورات التكنولوجية الحديثة في مجال صيانة المخطوطات.
وفي المحور الأول تم التركيز على آليات حفظ المخطوطات، بدءا من الطرق التقليدية وصولا إلى الاستراتيجيات الرقمية الحديثة؛ حيث تناول المتدخلون سبل نقل التراث المخطوط إلى الفضاء الرقمي، وأهمية الفهرسة العلمية؛ باعتبارها أداة أساسية لتنظيم هذا التراث، إضافة إلى استعراض دور التقنيات المتقدمة مثل النانو في عمليات الترميم الدقيقة.
أما المحور الثاني فقد سلّط الضوء على الجوانب الفنية والإبداعية في تدوين ونسخ المخطوطات، من خلال التطرق إلى علم الباليوغرافيا وخطوط الكتابة العربية والإسلامية، إلى جانب دراسة الخصائص الكوديكولوجية للمخطوطات، واستعراض أدوات الكتابة التقليدية من أحبار وأقلام، بما تحمله من دلالات تاريخية وفنية.
وفي المحور الثالث تم التعمّق في موضوع الحفظ الوقائي وترميم المخطوطات، حيث ناقش المشاركون تطور المواد المستخدمة في صناعة الورق الإسلامي. وقدّموا نماذج لتجارب مؤسسات رائدة في هذا المجال، مثل مركز الملك فيصل إضافة إلى عرض استراتيجيات مبتكرة لمواجهة التدهور البيولوجي الذي يهدد التراث الوثائقي.
أما المحور الرابع فعالج موضوع رقمنة المخطوطات وتقنيات إتاحتها للبحث والتداول، حيث تم التطرق لاستخدام تقنيات التصوير المتقدمة، كالضوء الأبيض والأشعة تحت الحمراء في قراءة وتحليل الوثائق، إلى جانب عرض جهود المؤسسات الجزائرية في رقمنة المخطوطات، وأهمية قواعد البيانات في تقدير أعمارها وفحصها علميا.
وجاءت المحاور الثلاثة الباقية عن "رقمنة المخطوطات وتقنيات الإتاحة والبحث والتداول"، و"جرد المخطوطات الجزائرية بالخزائن الخاصة والمكتبات العامة وطنيا وعالميا"، إلى جانب "تطبيق الذكاء الاصطناعي على المخطوطات". ويبرز من خلال هذه المحاور التكامل بين الجهود التقليدية والحديثة في صون المخطوطات، بما يعكس وعيا متزايدا بأهمية هذا التراث، وضرورة حمايته وتثمينه للأجيال القادمة، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.
ويرمي هذا الملتقى الدولي إلى إبراز المكانة الثقافية والعلمية للذاكرة الجزائرية، من خلال ربط التراث بالمعرفة الحديثة، وإظهار دور المخطوطات والبحث العلمي في حفظ الهوية الوطنية، وأنّ الثقافة الجزائرية ليست مجرّد موروث تاريخي، بل هي مجال حيّ يتفاعل مع التطور التقني والتحولات العلمية المعاصرة، مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
وتبرز الأهداف أيضا أهمية الوعي بالبعد الحضاري للثقافة الوطنية، وذلك عبر الاهتمام بالتأليف والحفظ والترميم، وفهرسة المخطوطات وتحقيقها، باعتبارها مصادر أساسية لفهم التاريخ العلمي والفكري للجزائر. كما تشير إلى الجهود التاريخية التي ساهمت في ترقية العلم والمعرفة، وإلى ضرورة مواصلة هذا الدور ضمن رؤية حديثة تحفظ الأصالة وتواكب العصر.
وتعكس هذه الأهداف اهتماما واضحا بتثمين التعدد الثقافي الجزائري، وتحويله إلى عامل وحدة وإشعاع حضاري، لا إلى عنصر تفرقة. كما تنسجم مع ما تطرحه الدراسات المعاصرة حول ضرورة بناء ثقافة جزائرية أصيلة، تستجيب لتحوّلات الزمن، وتواجه تحديات العولمة والتكنولوجيا.