الكاتب عبد القادر حموش يصدر مجموعته "الدمية الخشبية"
دعوة إلى التأمّل في أوجه الحياة اليومية
- 203
لطيفة داريب
أثنى الكاتب عبد القادر حموش على مساهمة زوجته في استلهام مواضيع قصصه القصيرة، من خلال الحكايات التي كانت تسردها له، والمستمدة من القعدات النسوية، ليستلهم منها أفكاره ويكتب قصصه. وقد نشر مجموعة من هذه القصص في كتاب بعنوان "الدور"، ثم أصدر حديثا مجموعة قصصية أخرى موسومة بـ«الدمية الخشبية".
قدّم الكاتب الصحفي والمحامي عبد القادر حموش، أوّل أمس، بمكتبة "الاجتهاد"، إصداره الجديد الذي نشره على نفقته بعنوان "الدمية الخشبية"، يضم عشر قصص قصيرة وهي الدمية الخشبية، الكذبة، خبز يوم الجمعة، حارس الغائبين، دفتر المعلمة، كشك الصحف، الأختان، الغرفة المحظورة، الحقيبة السوداء، والحديقة.
تحدّث حموش في هذه الندوة عن رغبته في كتابة القصة القصيرة بعدما كتب الرواية والدراسة والكتاب التطبيقي، مشيرا إلى صعوبة الكتابة في هذا الجنس الأدبي الذي يتطلّب ذكر الأحداث في صفحات لا تزيد على 15 صفحة والتقليل من الحوارات وبالأخصّ إتمام العمل بنهاية غير متوقعة. وأضاف أنّه يكتب ليفهم وأحيانا لنقل معلومة ما، مشيرا إلى أهمية أن يكتب بحرية مصاحبة بالنقد البنّاء، مثل نقده لقلّة استعمال الميكروفون في المحاكم وكذا عدم وجود مراحيض في بعضها في كتابه "السيف والميزان" وهو الأمر الذي لقي ترحيبا من أهل الاختصاص.
أما عن مجموعته القصصية هذه، فتضمّ قصصا نسج بعضها من خياله واستلهم معظمها من الحكايا التي تسردها له زوجته، ففي قصة "الحقيبة السوداء" كتب عن رجل أجنبي يستأجر غرفتين في نفس المسكن الذي تستأجر فيها عائلته لغرفة واحدة، وكان الرجل يغيب في كلّ مرة ثم يعود لكنّه غادر الجزائر بعد الاستقلال فقام والد عبد القدر بتحطيم قفل الغرفتين وضمهما للغرفة المّؤجرة، كما وجد في المكان، حقيبة استلهم منها الكاتب موضوع قصته وحوّل ذلك الشخص الغامض إلى أجنبي مناضل في صفوف جبهة التحرير الوطني.
أما عن كتاباته الأخرى، فانطلق حموش المناضل في قضايا المرأة، كتاباته بنشر مؤلف "تحرير المرأة الجزائرية من آثار الاستعمار" وكتب أيضا رفقة الصحفي عبد الرحمن محمودي إصدارا حول "الولادة" والكثير من المقالات الصحفية وكتب أخرى ما بين الدراسات والروايات والقصص.
من جهتها، قدّمت الأستاذة مليكة بورنان كلمة بمناسبة إصدار حموش لمجموعته القصصية الجديدة قرأها عنها الكاتب، قالت في بعضها إنّ هذه القصص القصيرة هي رحلة في أعماق الإنسان وذاكرته الجماعية. فقصص المجموعة، في نظرها، لا تكتفي بسرد أحداث أو مواقف، بل تلامس قضايا إنسانية مشتركة، مثل الطفولة، والفقد، والحنين، والعلاقات الأسرية، وانتقال القيم بين الأجيال، والتضامن، والكرم، وما يرافق ذلك من مشاعر وأحاسيس تجعل القارئ يرى نفسه في شخصياتها. وأكّدت أنّ من أبرز سمات كتابة عبد القادر حمّوش قدرته على منح الأشياء اليومية دلالات رمزية عميقة؛ فالدمية، والقلم، والدفتر، ورغيف الخبز، والصندوق، ليست مجرّد أدوات أو تفاصيل عابرة، بل تتحوّل إلى أوعية للذاكرة، تحمل آثار الحب والغياب، وتعيد إحياء لحظات من الماضي. وتستشهد في ذلك بقصة "دفتر المعلّمة"، حيث يصبح قلم أهداه الزوج الراحل لزوجته سببا في استحضار الذكريات واستعادة حضوره، بما يكشف قوّة الذاكرة وعلاقة الإنسان بالأشياء التي تحفظ أثر من أحبّهم.
كما رأت أنّ تجربة الكاتب في الصحافة والمحاماة تركت أثرا واضحا في عالمه الإبداعي، إذ أكسبته قدرة على الإصغاء للناس، وفهم تعقيدات المجتمع، والاقتراب من معاناة الإنسان في حياته اليومية. غير أنّ هذه الخبرة لا تظهر في كتاباته على شكل توثيق للواقع فقط، وإنما تتحوّل إلى رؤية أدبية تدعو إلى التأمّل في قضايا الحرية، والعدالة، والحوار، والتسامح، والعيش المشترك، بعيدا عن الأحكام الجاهزة أو الخطاب المباشر.
وخلصت قراءتها إلى أنّ "الدمية الخشبية" عمل أدبي يجمع بين البعد الجمالي والبعد الإنساني، ويؤكّد أنّ الأدب يمكن أن يكون مرآة للمجتمع وفضاء للتأمل والحوار. فهذه المجموعة لا تقدّم أجوبة جاهزة، بل تطرح أسئلة حول الإنسان والزمن والذاكرة، وتدعو إلى مجتمع أكثر وعيا بقيّمه، وأكثر انفتاحا على الآخر، وإيمانا بأن الأدب قادر على حفظ الذاكرة، وإيقاظ الوجدان، وبعث الأمل.