عنابة عبر العصور
زنين يفكّ شيفرة مدينة صاغتها الحضارات
- 356
سميرة عوام
كشف الأستاذ والناشط في مجال التراث والتاريخ عبد الرحمن زنين، خلال مداخلة بعنوان "عنابة وعمارتها التاريخية.. شواهد حيّة على تراثنا الحضاري"، أوّل أمس، عن العمق الضارب في تاريخ مدينة "بونة" العريقة، وذلك على هامش الاحتفالات بشهر التراث الثقافي 2026 بقاعة "سينماتيك" عنابة. وأكّد أنّ المدينة لم تكن مجرد تجمع عمراني عابر، بل كانت "معبراً للحضارات" ، ومنارة صمدت أمام تحولات الزمن، لتظل شواهدها المعمارية تروي قصة أمة تعاقبت عليها الحضارات.
استهل الأستاذ زنين مداخلته بالعودة إلى فجر التاريخ، مشيراً إلى أنّ الوجود الإنساني في منطقة عنابة، يعود إلى مئات الآلاف من السنين، حيث احتضنت ضفاف بحيرة فزارة وسلسلة جبال الإيدوغ نشاطاً بشرياً مبكراً منذ حوالي 200 ألف سنة، وصولاً إلى آثار منطقة رأس الحمراء التي تعود إلى نحو 50 ألف سنة. وقد جعل هذا التراكم الزمني من عنابة أرضاً خصبة لتعاقب الحضارات، بدءاً بالفينيقيين والمملكة النوميدية، ثم الحقبة الرومانية، فالوندالية، والبيزنطية، وصولاً إلى الفتوحات الإسلامية التي منحت المدينة هوية معمارية فريدة، تجلت في عهود الدولة الزيرية والحفصية، ثم خلال الحقبة العثمانية.
وفي رحلته عبر مدينة "هيبون" الأثرية، استعرض الناشط التاريخي الخصائص العالمية لمعالمها، وعلى رأسها "منتدى هيبون" الذي يُعدّ الأكبر والأقدم من نوعه في شمال إفريقيا، إضافة إلى المسرح الروماني الضخم الذي يبلغ عرضه 100 متر، وكان يتّسع لنحو 6 آلاف متفرّج، ما يعكس مستوى الرقي الهندسي في تلك الحقبة، فضلاً عن لوحات الفسيفساء النادرة، المرصعة بالأحجار الكريمة، والتي تعكس دقة الفن، وروعة الزخرفة في مدينة بونة القديمة.
ولم تغفل المداخلة الجانب الروحي والعلمي، حيث أبرزت مكانة عنابة كحاضنة للمفكّرين والعلماء، من القديس أوغسطين إلى أبي مروان الشريف القادم من قرطبة. وفي هذا السياق، قدّم الأستاذ زنين تحليلاً دقيقاً لمسجد "أبي مروان الشريف"، مؤكّداً أنّ مئذنته الدائرية تمثّل نموذجاً هندسياً أندلسياً خالصاً وفريداً من نوعه في كامل ربوع الجزائر والمغرب العربي، إلى جانب التأثيرات العثمانية الأناضولية التي تظهر في مسجد "صالح باي".
واختتم المحاضر مداخلته بالحديث عن العمارة الحديثة التي تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين بساحة الثورة، مشيراً إلى معالم صمدت أمام ويلات الحروب العالمية، مثل "فنار عنابة" الذي تعرّض للقصف سنة 1914، والمسرح الجهوي "عز الدين مجوبي" الذي أُعيد بناؤه سنة 1954 بعد تدمير المسرح الأوّل خلال الحرب العالمية الثانية عام 1942. وتبقى هذه المعالم شواهد حيّة تربط ماضي عنابة المجيد بحاضرها. وتدعو الأجيال إلى الحفاظ على هذا الإرث الحضاري الاستثنائي.