بوحي من الألوان وفيض من الأشكال الهندسية
عبد الباسط بوشلاغم يرسم الجزائر بريشته
- 104
لطيفة داريب
يعتمد الفنان الرسّام عبد الباسط بوشلاغم، على الأشكال الهندسية والألوان، لبناء عالمه الفني المشكلّ من مختلف الأساليب الفنية والمتفرّع إلى عدّة مواضيع، لكن ما يربط بينهما الألوان المتدفّقة بغزارة في لوحات، مرسومة مواضيعها بشكل هندسي عفوي.
يعرض الفنان الرّسام عبد الباسط بوشلاغم، مجموعة من لوحاته في مؤسّسة عسلة إلى غاية 14 فيفري الجاري بعنوان "وحي..عودة الى النور". بالمناسبة، تحدث الفنان الشاب لـ"المساء" عن مسيرته الفنية ومعرضه هذا، فقال إنّه لثاني مرة يعرض أعماله بشكل فردي، وأنّه شارك في عديد المعارض الجماعية. كما أنّه فنان عصامي فلم يتلق تكوينا قطّ في مجال الرسم، بل تعلّم بشكل تدريجي، منذ أن كان طفلا حينما بدأ بمداعبة الأقلام الملّونة في سن الرابعة. ذكر عبد الباسط حاجته في بناء لوحاته ابتداء من الأشكال ووصولا إلى الألوان، لكن بشكل عفوي وفي نفس الوقت يفكّر في موضوع الرسمة وفي ملء الفراغ في اللوحة بتناسق أكيد، وفق هندسة بصرية لافتة.
في هذا يعرض الفنان، ثلاث لوحات عن موضوع واحد وهو البهجة والموسومة بـ"ألجي، ألجي شحال نحبها"، وهو عنوان أغنية الفنان ليلي بونيش، رسم في اللوحتين الأولى والثانية، أشكالا ترمز إلى الجزائر العاصمة، مثل البريد المركزي وفندق "الأوراسي" ومقام الشهيد وغابة الأقواس وحيّ ديار المحصول وفندق "السوفيتال"، وجامع "كتشاوة". أما في اللوحة الثالثة فقد غذاها بعناصر تدلّ على ثقافة عاصمة البلد مثل الزليج والأبواب القديمة والنجمة والهلال والخامسة. وهكذا قام الشاب بتوزيع عديد المواضيع التي تدلّ على تميّز وعراقة الجزائر العاصمة في ثلاث لوحات، معبّرا عن حبّه للبهجة مثلما عبّر عن ميله لتيبازة مسقط رأسه من خلال رسمها في معارض سابقة، على أن يرسم لاحقا مدنا أخرى من البلد القارة.
بالمقابل، يهتم عبد الباسط جدا برسم تراث الجزائر، والمساهمة في التعريف به والحفاظ عليه، وفي هذا رسم في أكثر من اللوحة، الإنسان، الذي يعتبره عنصرا مهما جدا في أعماله فهو الذي يعبرّ عن المجتمع، وأضفى عليه عديد رموز التراث الجزائري. كما عبرّ في معرضه هذا عن حبّه للموسيقى من خلال رسمه للآلات الموسيقية وحتى عرضه للوحتين تشملان فقط بيتين شعريين من أغنيتيّ الفنان الهاشمي قروابي وهما: "الولف كي ساهل والفراق ما قدرت عنو" و"جزاير زينة البلدان"، كفسحة راحة وتأمل وسط الكم الهائل من الألوان والأشكال التي تغمر المعرض.
واصل عبد الباسط الحديث عن معرضه مع “المساء”، فأشار إلى لوحتين، رسم في الأولى عازفة تؤدي مقطوعة موسيقية في فن الحوزي، ترتدي الكاراكو وتضع على رأسها خيط الروح، أطلق عليها اسم "الدزيرية"، والثانية عن عازف في فن الموسيقى الشعبية بعنوان "الحراشي". أما بقية اللوحات فهي أربعة رسم فيهن، المرأة الشاوية والقبائلية والوهرانية والترقية، تظهر كل منهن بلباسها التقليدي وحلّيها الجميلة. كما رسم في هذه الأعمال، الطعام المشهور في المنطقة التي تنحدر منها كل امرأة وكذا العادات والتقاليد هناك، في لفتة أخرى من عبد الباسط للتعريف بتراثنا.
لم ينس الفنان، أن يرسم الرجل أيضا، فرسم لوحتين عن الرجل الترقي وأخرى عن الرجل البوسعادي الذي يضع على رأسه مظلة رمز لهذه المنطقة التي تتدفق تراثا وثقافة. بينما رسم في لوحة كبيرة غير معروضة للبيع، موضوعا يهمه كثيرا وهو الزرناجية، حيث رسم أربعة عازفين يرتدون اللباس التقليدي، لكن ملامح وجههم مغيّبة عكس الشخصيات الأخرى لبقية أعماله، فلم ذلك يا ترى؟.
ويجيب عبد الباسط، أنّ شخصياته أوّلا مرسومة بأسلوب غير واقعي وكأنه يريد أن يخفي وراءها فلسفة ما، فبعض منها يُظهر ملامحها وتعابيرها مثل الابتسامة والضحك، وأخرى يخفيها حتى يّوجه زائر المعرض الى موضوع اللوحة في حد ذاته وليس إلى تفاصيل الوجه، مثلما فعل في لوحة الزرناجية التي رسم شخصياتها من دون مبسم. كما كشف الفنان أيضا، عن تنوّع المواضيع والأساليب الفنية التي يعتمدها في معارضه، مثل رسمه في السابق لمواضيع مختلفة مثل الأمومة والخيانة والحب، لكن مع التمسك بوفرة الألوان التي ينقل بواسطتها المشاعر، وتقنية البناء في الرسم، في قالب إيجابي كالتزام الفنان في خدمة بلده .