بين الخوارزمية والإبداع
عنابة تحتفي بسينما الذكاء الاصطناعي
- 149
سميرة عوام
احتضنت المدرسة العليا لعلوم التسيير بعنابة، أول أمس، مسابقة أفلام الذكاء الاصطناعي، في أجواء مليئة بالحماس والابتكار، حيث تحولت الأفكار إلى صور، والتكنولوجيا إلى لغة إبداع. وقد شكل هذا الحدث الأكاديمي والفني، فرصة سانحة للطلبة لاستكشاف آفاق سينما المستقبل، إذ لم يعد النص مجرد كلمات مكتوبة، بل مادة خام تُعالجها الخوارزميات، لتخلق عوالم بصرية مدهشة، تمزج بين الواقع والافتراض، ما يفتح آفاقًا جديدة للتعبير الفني والتقني في آن واحد.
تفاعل جمهور الطلبة مع مجموعة من الأفلام، التي تم اختيارها من الإنتاجات السينمائية العالمية، والتي استعرضت قدرات الذكاء الاصطناعي في صياغة المشهد البصري المبتكر. وتصدر العروض فيلم “رحلة إلى بحر سارجاسو” للمخرج كونستانتينوس بابانتونيس، الذي نقل الحضور إلى أعماق الغموض البحري، عبر تقنيات بصرية فائقة الدقة، جسدت قدرة الآلة على محاكاة التفاصيل الطبيعية بجمالية أخاذة، محولًا الأساطير البحرية إلى تجربة سينمائية ملموسة تلامس الوجدان.
أما فيلم “من ظل ونور” للمخرج فاييان لبيانو، فقد استأثر بحصة الأسد في النقاش الأكاديمي والتحليل الدرامي، كونه غاص في عمق المعاناة الإنسانية المعاصرة، عبر توظيف ذكي للتكنولوجيا الرقمية. يروي الفيلم قصة مؤثرة لرجل مسن، يجد نفسه وحيدًا في مواجهة عزلة خانقة، لا يربطه بالعالم الخارجي سوى هاتفه المحمول؛ هذا الجهاز الذي يتحول من مجرد أداة تواصل بسيطة، إلى “شاهد” وحيد على مأساته الشخصية. تتصاعد أحداث الفيلم دراميًا، بعد تعرض المسن لهجوم مفاجئ، لتنتقل الكاميرا ببراعة بين برودة مراكز الشرطة، وهي تحاول تتبع موقعه الرقمي بدقة، وبين وهن الضحية في مكانه المجهول، ما خلق حالة من الترقب النفسي الشديد لدى المشاهدين.
عكس الفيلم مفارقة وجودية، أثارت تساؤلات الطلبة حول مستقبل العلاقات في ظل الرقمنة؛ فالتكنولوجيا قد تكون الأمل الأخير للنجاة في اللحظات الحرجة، لكنها تظل في الوقت نفسه، عاجزة عن تعويض الدفء الإنساني، أو سد فجوة الوحدة التي يعاني منها كبار السن. وقد نجح المخرج في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لرسم ملامح “الظل”، الذي يمثل الخوف والضياع، و«النور” الذي يمثل بصيص الأمل في الوصول قبل فوات الأوان، موظفًا الإضاءة الرقمية لخدمة الحالة النفسية للشخصية.
خلصت هذه الجلسة السينمائية، حسب بعض المخرجين الجزائريين، ومتتبعي هذا النوع من الأفلام، إلى التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الرؤية الإخراجية أو الإحساس الفني، بل هو أداة متطورة، تعيد صياغة المفهوم التقليدي للصورة السينمائية. وقد أبدى طلبة المدرسة استيعابًا عميقًا للرسائل الفلسفية والتقنية المطروحة، معتبرين أن المدرسة العليا لعلوم التسيير، بتبنيها لهذه النشاطات، تفتح الباب على مصراعيه أمام جيل جديد من المسيرين والمبدعين، الذين يجمعون بين المعرفة الإدارية والحس الفني المبتكر، في عالم باتت فيه الخوارزميات شريكًا أساسيًا في صنع المعنى الإنساني.